ولعل أقدم حديث ترويه لنا كتب الأدب في شأن فصل الكلام ووصله ما يرويه الجاحظ في كتاب البيان والتبيين من حادثة الرجل الذى كان معه ثوب وعرض له أبو بكر رضى الله عنه فقال له: أتبيع الثوب؟ فأجابه: لا عافاك الله، فتأذى أبو بكر لأن اللفظ يوهم الدعاء عليه فقال له رضى الله عنه: «لقد علمتم لو كنتم تعلمون قل: لا وعافاك الله» [167] .
وهذه الملاحظة تدخل في صميم بحث الفصل والوصل، وهى من أنواع الوصل الثلاثة، وتسمى في اصطلاح البلاغيين: كمال الانقطاع مع الايهام.
وقد ذكر البلاغيون كلاما في الفصل والوصل يعزى أقدمه إلى ما يرويه الجاحظ عن الفارسى الذى حصر البلاغة في الفصل والوصل.
ويعلق الأستاذ الخولى على رواية الجاحظ هذه بقوله: «وهل يفهم من ذلك أن العرب لم تلتفت اليه قبل توجيه الفرس لها؟ ثم ينفى ذلك مستشهدا بكلام العسكرى الذى يرويه عن أكثم بن صيفى والذى قال فيه لكتابه: «افصلوا بين كل منقضى معنى وصلوا إذا كان الكلام معجونا بعضه ببعض» فالجاهليون اذن تحدثوا عن فصل الكلام ووصله»، وقول هذا البليغ القديم: «وصلوا إذا كان الكلام معجونا بعضه ببعض» ، فيه تصور واضح لصلة الجمل وتداخلها حتى كأنها شىء واحد، وكأنها أخذ بعضها بحجزة بعض، كما يقول العلماء.
ثم ان النظر فيما ذكره أبو هلال من روايات البلغاء وذوى اللسن في أمر فصل الكلام ووصله قريب مما يقرره القراء في الوصل والوقف في قراءة كتاب الله، فالأحنف بن قيس يمدح عمرو بن العاص بأنه أى الأحنف «ما رأى رجلا تكلم فأحسن الوقوف عند مقاطع الكلام ولا عرف حدوده الا عمرو بن العاص رضى الله عنه، كان إذا تكلم تفقد مقاطع
(167) البيان والتبيين ج 1ص 261