وذلك لأن ناقديه قد عابوه لما رجع من الغيبة إلى التكلم ثم ذكر ما اعتذر به المحتجون عنه حيث بينوا أن هذه طريقة العرب فهم يحملون الكلام على المعنى ويصرفون الضمير عن وجهه، وذكروا من أمثلة ذلك قوله تعالى: { «إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا» } [163] وليس في الخبر ما يرجع إلى الأول، ولو رددت الضمير إلى الأول لقيل: انا لا نضيع أجرهم، لكنه لما كان { «مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا» } هم المضمرون بهم الذين في أجرهم جاز أن ينوب أحدهما عن الآخر، لأن من أحسن عملا هو من آمن، ومثل هذا قوله تعالى: { «وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ» } [164] لما كان معنى المصلحين معنى { «الَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ» } جاز أن يقام مقامه فيعود الذكر اليه في المعنى فكأنه قال:
انا لا نضيع أجرهم [165] .
وهذا من اقامة المظهر مقام المضمر ولكننا سوف نجد الزمخشرى يجعله من باب الالتفات ويتبعه في هذا ابن الأثير والعلامة العلوى.
ثم ان القاضى ربط هذا بقوله تعالى: { «حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ» } يقول: «قالوا وشبيه بهذا قوله تعالى: {«حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ» } [166] عدل عن ضمير المخاطب إلى ضمير الغائب اعتمادا على ظهور المعنى».
ونلاحظ أن هذه الدراسة لا تجد فيها تلك اللمسة البلاغية التى ترشدنا إلى أثر هذا الأسلوب وقيمته البلاغية، وانما المهم عندهم جميعا أن يبينوا هذه الطريقة وأن يستشهدوا لها من كلام العرب، وهذا مهم عند المدافعين عن المتنبى، وليست لعبد القاهر دراسة بينة في الالتفات، لذلك سوف يتضح لنا أثر الزمخشرى فيها بعد دراستنا لما أثاره في هذا الباب.
(163) الكهف: 30
(164) الأعراف: 170
(165) الوساطة ص 446، 447
(166) يونس: 22