وذكر الآية المشهورة في هذا الباب وهى قوله تعالى: { «حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ» } [153] كما ذكر قوله تعالى: { «ثُمَّ ذَهَبَ إِلى أَهْلِهِ يَتَمَطَّى. أَوْلى لَكَ فَأَوْلى» } [154] وقد تبعه في دراسة هذه الآيات أبو زكريا الفراء ولكنه لم يسمه الترك والتحويل كما سماه أبو عبيدة، وانما سماه الانتقال [155] .
وقد درس ابن قتيبة هذه الصور في باب مخالفة ظاهر اللفظ معناه.
قال: ومنه أن يخاطب الشاهد بشيء يجعل الخطاب له على لفظ الغائب، كقوله عز وجل: { «حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا» } ، وقوله: { «وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ» } [156] ، وقوله تعالى: { «وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ» } [157] ، ثم قال: { «أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ» } [158] ومنه أن يخاطب الرجل بشيء ثم يجعل الخطاب لغيره كقوله تعالى: { «فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ» } [159] ، الخطاب للنبى صلّى الله عليه وسلم، ثم قال للكفار: { «فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ» } [160] ، يدلك على ذلك قوله: { «فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ» } [160]
وقال: { «إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا» } [161] ، ثم قال:
{ «لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ» } [162] .
وقد آثار القاضى على بن عبد العزيز مناقشة حول قول أبى الطيب:
وإنى لمن قوم كأن نفوسنا ... بها أنف أن تسكن اللّحم والعظما
(153) يونس: 22
(154) القيامة: 33، 34
(155) ينظر أثر القرآن في تطور البلاغة العربية ص 34، 39.
(156) الروم: 39
(157) الحجرات: 7
(158) الحجرات: 7
(159) هود: 14
(160) هود: 14
(161) الفتح: 8، 9
(162) تأويل مشكل القرآن ص 223.