أبلغ في نفى الضلال عن نفسه كأن قال: ليس بى شىء من الضلال.
كما لو قيل لك: ألك تمر؟ فقلت: ما لى تمرة» [66] .
وقد كان ابن المنير على حق حين رفض تعليل الأبلغية هنا بنفى الأخص وأشار إلى أن نفى الأخص لا يستلزم نفى الأعم، وعلل الأبلغية هنا بنفى الأدنى والتنبيه به على نفى الأعلى، وكان نقاشه أساسا كما قلنا للقاعدة التى قررها ابن الأثير. وقد كان ابن الأثير يقظا حين سكت عن ذكر الأخص في هذه الآية ونظائرها لأنه نظر في اعتراض ابن المنير وأخذ منه وقد حذف من كلام الزمخشرى الجزء الذى اعترض عليه ابن المنير وهو قوله: والضلالة أخص من الضلال فكانت أبلغ في نفى الضلال عن نفسه، ويقول ابن الأثير: «وفى هذا الموضع دقة تحتاج إلى فضل تمام فينبغى لصاحب هذه الصناعة مراعاته والعناية به» [67] .
وكأنه بهذا يوهم أن هذا البحث من اجتهاده وخالص فكره.
ذكر ابن الأثير أن باب التقديم باب طويل وعريض، وأنه يشتمل على أسرار دقيقة، منها ما استخرجه ابن الأثير، ومنها ما وجده في أقوال العلماء، ويقسم التقديم إلى قسمين: القسم الأول يختص بدلالة الألفاظ على المعانى ولو أخر المقدم أو قدم المؤخر لتغير المعنى. والقسم الثانى يختص بدرجة التقدم في الذكر لاختصاصه أى المتقدم بما يوجب ذلك ولو أخر لما تغير المعنى.
ويدرس في القسم الأول تقديم المبتدأ على الخبر وتقديم الخبر على المبتدأ، وتقديم المفعول، وتقديم الظرف والحال إلى غير ذلك مما هو في حدود الجملة.
(66) الكشاف ج 2ص 89، 90
(67) المثل السائر ج 2ص 212