ولم يخل ذلك من حسن الأدب حيث لم يصرح بأن العقاب لا حق له، وأن العذاب لا حق به. ولكنه قال: أخاف أن يمسك عذاب، فذكر الخوف، والمس، ونكّر العذاب، وجعل ولاية الشيطان، ودخوله في جملة أشياعه وأوليائه، أكبر من العذاب، وذلك أن رضوان الله أكبر من الثواب نفسه وسماه الله تعالى المشهود له ب «الفوز العظيم» حيث قال: { «وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ، ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ» } [137] فكذلك ولاية الشيطان التى هى معارضة رضوان الله أكبر من العذاب نفسه وأعظم. وصدّر كل نصيحة من النصائح الأربع بقوله: «يا أبت» توسلا اليه واستعطافا» [138] .
وسوف نجد أثر هذا التحليل القيم في كتابى «المثل السائر» و «الطراز» .
من الواضح أن كل ما ذكرته من النظر البلاغى في كتاب الكشاف صالح لأن يكون نوعا من تحليل النص، سواء أكان ذلك نظرا في المفرد أو بحثا في الجملة أو الجمل، وسواء أكان ذلك دراسة لفنون بلاغية كالالتفات والتقديم وأكثر ما ذكرنا، أو كان نظرا في المعانى، وتحليلا لها، وأريد هنا أن أزيد هذا الجانب بيانا وتوضيحا لتتبين لنا مقدرته البلاغية في ضوء شرح النص وتحليله، وكون هذا البحث أعنى شرح النص داخلا في بلاغته فذلك أمر لا أعتقد أن أحدا يخالف فيه. لأن الزمخشرى نفسه ذكر في مقدمة تفسيره أن أداة المفسر الأولى هى علم البيان وعلم المعانى، وحدد المعنى المراد من النص وقال: ان هذا ما يقتضيه علم المعانى كما في آية: { «لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ» } [139] .
ومن الواضح أيضا أن هذا البحث أعنى شرح النص وتفسيره لا يدخل الآن دائرة البحث البلاغى الا في حدود تحليل الأمثلة وشرحها،
(137) التوبة: 72
(138) الكشاف ج 3ص 14، 15
(139) النساء: 172