وأن هذا البحث أيضا هو أكبر وظائف النقد الأدبى، على أن بعض الدارسين يحصر مهمة النقد في هذه الوظيفة اذ جعل الواجب الرئيسى للناقد هو العرض [140] .
والزمخشرى في تفسيره للنصوص يستصحب مقاييس عرفتها الدراسة البلاغية قبله، من ذلك أن أمارات التفوق في الأسلوب أن يكون الكلام متماسكا أشد التماسك مرتبطا قوى ارتباط كأنه بناء متين يشد بعضه بعضا.
يقول في قوله تعالى: { «وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ، وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ. وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ، صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ، إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ. مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ. وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ» } [141]
يقول الزمخشرى: { «صُنْعَ اللَّهِ» } : من المصادر المؤكدة كقوله: { «وَعَدَ اللَّهُ» }
و { «صِبْغَةَ اللَّهِ» } الا أن مؤكده محذوف وهو الناصب ل { «يَوْمَ يُنْفَخُ» } ، والمعنى ويوم ينفخ في الصور وكان كيت وكيت أثاب الله المحسنين وعاقب المجرمين، ثم قال: { «صُنْعَ اللَّهِ» } يريد الانابة والمعاقبة وجعل هذا الصنع من جملة الأشياء التى أتقنها وأتى بها على الحكمة والصواب حيث قال: { «صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ» } يعنى أن مقابلة الحسنة بالثواب والسيئة بالعقاب من جملة احكامه للأشياء واتقانه لها واجرائه لها على قضايا الحكمة، انه عالم بما يفعل العباد وبما يستوجبون عليه فيكافئهم على حسب ذلك، ثم لخص ذلك بقوله: { «مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ» }
الى آخر الآيتين، فانظر إلى بلاغة هذا الكلام وحسن نظمه، وترتيبه، ومكانة اضماده، ورصانة تفسيره، وأخذ بعضه بحجزة بعض، كأنما أفرغ افراغا واحدا، ولأمر ما أعجز القوى، وأخرس الشقاشق، ونحو هذا المصدر إذا جاء عقيب كلام جاء كالشاهد بصحته، والمنادى على
(140) النقد الأدبى للأستاذ المرحوم أحمد أمين ص 380
(141) النمل: 9087