الشمس لا تقطع فلكها الا في سنة والقمر يقطع فلكه في شهر فكانت الشمس جديرة بأن توصف بالادراك لتباطئ سيرها عن سير القمر، وكان القمر خليقا بأن يوصف بالسبق لسرعة سيره» [403]
وقد يوصف الموصوف بصفتين متتابعتين دالتين على معنى واحد دلالة عامة الا أن احداهما أبلغ من الأخرى، وحينئذ يبين الزمخشرى أن الأصل في مثل هذا النوع من الصفات أن يرتبه المتكلم ترتيبا ينتقل فيه من الأدنى إلى الأعلى، فيقال: هو أبيض ناصع، ولا يقال: هو ناصع أبيض، فاذا جاء الكلام البليغ على غير هذا الترتيب فذلك لغرض يكشف عنه النظر، يقول في قوله تعالى: { «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ» } : «فان قلت: فلم قدم ما هو أبلغ من الوصفين على ما هو دونه والقياس الترقى من الأدنى إلى الأعلى كقولهم: فلان عالم نحرير، وشجاع باسل، وجواد فياض؟
قلت: لما قال «الرحمن» فتناول جلائل النعم وعظائمها وأصولها أردفه «الرحيم» كالتتمة والرديف ليتناول ما رق منها وبطن» (الكشاف ج 1ص 7) .
والحذف لا يكون الا عند العلم وأمن الالباس، والشيء إذا علم وشهر موقعه سهل حذفه واسقاطه. والزمخشرى يقرر هذا الأساس في قوله تعالى: { «لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ» } [404]
يقول: «فان قلت: لم أدخلت اللام على جواب «لو» في قوله تعالى: { «لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا» } [405] ، ونزعت فيه هنا؟ قلت: ان «لو» لما كانت داخلة على جملتين معلقة ثانيتهما بالأولى تعلق الجزاء بالشرط اتفاقا ولم تكن مخلصة للشرط ك «ان» ولا عاملة مثلها، وانما سرى فيها معنى الشرط اتفاقا من حيث افادتها مضمون جملتيها أن الثانى امتنع لامتناع الأول، افتقرت في جوابها إلى ما ينصب علما على هذا التعلق، فزيدت
(403) الكشاف ج 4ص 14
(404) الواقعة: 70
(405) الواقعة: 60