فهى معطوفة على جملة وصف عقاب الكافرين، كما تقول: زيد يعاقب بالقيد والارهاق، وبشر عمرا بالعفو والاطلاق» [35] .
وقد أشار الخطيب إلى أن في هذا الكلام نظرا لا يخفى على المتأمل. ثم رأى أن يكون «وبشر» معطوفا على مقدر أى: أنذرهم وبشر.
ولست أجد لهذا التقدير ذلك المذاق الذى أجده لتحليل الزمخشرى كما لا أجد مذاقا لتقدير السكاكى أن العطف على «قل» مقدرا قبل { «يَا أَيُّهَا النَّاسُ» } والزمخشرى يشير في هذا إلى عطف القصة على القصة وأنه يكتفى في مثله بالتناسب بين القصتين ولا ينظر فيه إلى التناسب بين الألفاظ وقد أطفئت مثل هذه القبسات في بلاغة الزمخشرى كما رأينا عند الشيخين وعطف القصة على القصة من أجل مباحث الفصل والوصل وأحد المعاقد الأساسية في بناء الكلام.
ويلتفت الزمخشرى إلى الفواصل القرآنية ويبين وجه الملاءمة بين مدلولها ومدلول الآيات السابقة، وله في هذه اللفتات نفاذ إلى المعانى. وبيان لأجناسها. يقول في قوله تعالى: { «وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ. أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ. وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ، أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ» } [36] : «فان قلت:
فلم فصلت هذه الآية ب { «لَا يَعْلَمُونَ» } والتى قبلها ب { «لَا يَشْعُرُونَ» } ؟ قلت:
لأن أمر الديانة والوقوف على أن المؤمنين على الحق وهم على الباطل يحتاج إلى نظر واستدلال حتى يكتسب الناظر المعرفة. وأما النفاق وما فيه من البغى المؤدى إلى الفتنة والفساد في الأرض فأمر دنيوى مبنى على العادات معلوم عند الناس خصوصا عند العرب في جاهليتهم وما كان قائما بينهم من التغاور والتناصر والتحارب والتحازب فهو
(35) الكشاف ج 1ص 78
(36) البقرة: 1311