كالمحسوس المشاهد. ولأنه قد ذكر السفه وهو جهل فكان ذكر العلم معه أحسن طباقا» [37] .
ويلتفت إلى فواصل الآيات التى تشير إلى آثار قدرة الله في هذا الكون. ويبين في ذكاء كيف تكون الفاصلة مشيرة إشارة واعية إلى مدى دلالة هذه الآثار. فتسلسل الانسانية من نفس واحدة أدق صنعة وألطف تدبيرا من تسخير النجوم للاهتداء بها في ظلمات البر والبحر. لذلك كانت فاصلة آية النجوم ب { «يَعْلَمُونَ» } وفاصلة آية النشأة ب { «يَفْقَهُونَ» }
والفقه أدق من العلم.
يقول في قوله تعالى: { «وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ، قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ. وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ، قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ» } [38] : «فان قلت: لم قيل {«يَعْلَمُونَ» } مع ذكر النجوم و { «يَفْقَهُونَ» } مع ذكر انشاء بنى آدم؟ قلت: كان انشاء الانس من نفس واحدة وتصريفهم بين أحوال مختلفة ألطف وأدق صنعة وتدبيرا فكان ذكر الفقه الذى هو استعمال فطنة وتدقيق نظر مطابقا له» [39] .
ويقول في قوله تعالى: { «هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ. يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ، إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ. وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ، وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ، إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ» } [40] : وقال: { «إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ» } فجمع الآية وذكر العقل لأن الآثار العلوية أظهر دلالة على القدرة الباهرة، وأبين شهادة لكبرياء العظمة» [41] .
وقد تكون الفاصلة غير مطابقة لسياق الآيات مطابقة تامة في الظاهر فيكشف الزمخشرى هذه الملاءمة.
(37) الكشاف ج 1ص 49.
(38) الأنعام: 97، 98
(39) الكشاف ج 2ص 39.
(40) النحل: 1210
(41) الكشاف ج 2ص 465.