يقول في قوله تعالى: { «قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا» } [42] : «فان قلت: كيف طابق قوله:
{ «إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا» } هذا المعنى؟ قلت: لما كان ما تقدم في معنى الوعيد عقبه بما يدل على القدرة عليه لأنه لا يوصف بالمغفرة والرحمة الا القادر على العقوبة، أو هو تنبيه على أنهم استوجبوا بمكابرتهم هذه أن يصب عليهم العذاب صبا، ولكن صرف ذلك عنهم أنه غفور رحيم يمهل ولا يعاجل» [43] .
ويلحظ الزمخشرى أن القرآن قد يعدل عن لفظ إلى لفظ مراعاة الحق الفاصلة اذ أن الفواصل القرآنية في سور كثيرة يتحد نغمها الصوتى، وفى وحدة النغم هذه تأثير يبلغ مداه في نفس قارئه وسامعه ولا ضير إذا قلنا ان القرآن يراعى الفاصلة فيبدل في كلمة أو يضع مكانها أخرى لأن هذا ليس أمرا لفظيا هينا كما فهمه بعض البلاغيين، وقليل منهم تنبه إلى قيمة الأثر الصوتى أو الأثر الموسيقى في التأثير والايحاء وظل أكثرهم يفهم أن شئون اللفظ لا تعدو أن تكون محسنات سطحية لا تتصل بجوهر البلاغة.
وليس من الخطأ في الدين ولا في البلاغة أن تقول: ان القرآن يهتم بالناحية اللفظية لأنها جزء من أسلوبه ولأنها من دواعى التأثير، وتلك وظيفة القرآن فالغرض منه أولا هو قيادة النفس الانسانية إلى سبيل الخير فمن الحتم أن يأخذ كل سبيل إلى هذه الغاية فلا يهمل هذا الجانب المهم في بلاغته، والزمخشرى من قلة من البلاغيين يرون هذا الرأى، لذلك يفسر بعض الخصائص القرآنية تفسيرا مبنيا على اهتمامه بالناحية الصوتية.
يقول في قوله تعالى: { «وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا» } [44] : «وانقطع اليه،
(42) الفرقان: 6
(43) الكشاف ج 3ص 209.
(44) المزمل: 8