فهرس الكتاب

الصفحة 681 من 744

عند العرب وما كان فيهم من التحارب والتغاور فهو كالمحسوس عندهم فلذلك قال فيه { «يَشْعُرُونَ» } ، وأيضا فانه لما ذكر السفه في الآية الأخيرة وهو جهل كان ذكر العلم معه أحسن طباقا، فقال { «يَعْلَمُونَ» } [163] .

وهذا مأخوذ من قول الزمخشرى: «فان قلت: لم فصلت هذه الآية ب {«لَا يَعْلَمُونَ» } والتى قبلها ب { «يَشْعُرُونَ» } ؟ قلت: لأن أمر الديانة والوقوف على أن المؤمنين على الحق وهم على الباطل يحتاج إلى نظر واستدلال حتى يكتسب الناظر المعرفة، وأما النفاق وما فيه من البغى المؤدى إلى الفتنة والفساد في الأرض فأمر دنيوى مبنى على العادات معلوم عند الناس خصوصا عند العرب في جاهليتهم وما كان قائما بينهم من التغاور والتناحر والتحارب والتحازب فهو كالمحسوس المشاهد ولأنه قد ذكر السفه وهو جهل، فكان ذكر العلم معه أحسن طباقا» [164] .

كتاب الجامع الكبير:

والذى يقرأ كتاب الجامع الكبير لابن الأثير يجد فيه قدرا كبيرا من هذه التحليلات البلاغية العالية التى أخذها من كتاب الكشاف، وأكثر هذه التحليلات المذكورة في الجامع مذكورة كذلك في المثل السائر، من هذه التحليلات قوله في الالتفات بعد ذكر قوله تعالى:

{ «قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ» } [165] وهو مثال للرجوع من الفعل المستقبل إلى فعل الأمر يقول ابن الأثير:

«ولم يقل «أشهدكم» ليكون موازنا له وبمعناه لأن اشهاد الله على البراءة من الشرك صحيح ثابت في معنى تثبيت التوحيد وشد معاقده، وأما اشهادهم فما هو الا تهاون بدينهم ودلالة على قلة المبالاة بهم، ولذلك عدل به عن لفظ الأول لاختلاف ما بينهما، وجىء به على لفظ الأمر كما يقول الرجل لمن يبس الثرى بينه وبينه: اشهد على أنى أحبك تهكما به واستهانة لحاله» [166] .

(163) الكشاف ج 3ص 303، 304

(164) الكشاف ج 1ص 49

(165) هود: 54

(166) الجامع الكبير لابن الأثير مخطوط بدار الكتب وغير مرقومة صفحاته.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت