{جَعَلْنَا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا»} [159] فانه لم يراع التقابل في قوله: { «لِيَسْكُنُوا فِيهِ» } و { «مُبْصِرًا» } لأن القياس يقتضى أن يكون:
والنهار ليبصروا فيه، وانما هو مراعى من جهة المعنى لا من جهة اللفظ. وهذا النظم المطبوع غير المتكلف لأن معنى قوله { «مُبْصِرًا» } :
لتبصروا فيه طرق التقلب في الحاجات» [160] .
وهذا مأخوذ من قول الزمخشرى: «فان قلت: ما للتقابل لم يراع في قوله: {«لِيَسْكُنُوا فِيهِ» } و { «مُبْصِرًا» } حيث كان أحدهما علة والآخر حالا؟ قلت: هو مراعى من حيث المعنى وهكذا النظم المطبوع غير المتكلف لأن معنى { «مُبْصِرًا» } : ليبصروا فيه طرق التقلب في المكسب» وأحسب أن قول ابن الأثير: «وهذا النظم المطبوع غير المتكلف» محرف، وصوابه: «وهكذا النظم المطبوع» كما في الكشاف.
ويقول ابن الأثير: «واعلم أن في تقابل المعانى بابا عجيب الأمر يحتاج إلى فضل تأمل وزيادة نظر، وهو يختص بالفواصل من الكلام المنثور، وبالإعجاز من الأبيات الشعرية، فمما جاء من ذلك قوله تعالى في ذم المنافقين: {«وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ. أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ» } [161] ، وقوله تعالى: { «وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ، أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ» } [162] ألا ترى كيف فصل الآية الأخرى ب { «يَعْلَمُونَ» } والآية التى قبلها ب { «يَشْعُرُونَ» }
وانما فعل ذلك لأن أمر الديانة والوقوف على أن المؤمنين على الحق وهم على الباطل يحتاج إلى نظر واستدلال حتى يكتسب الناظر العلم والمعرفة بذلك. وأما النفاق وما فيه من البغى المؤدى إلى الفتنة والفساد في الأرض فأمر دنيوى مبنى على العادات معلوم عند الناس خصوصا
(159) النمل: 86
(160) المثل السائر ج 3ص 163
(161) البقرة: 11، 12
(162) البقرة: 13