وقد يتجه المتكلم إلى تصوير ما في نفوس الآخرين من خواطر وأفكار فيأتى تصويره في عبارات مؤكدة ليشير بهذا إلى أن هذه الخواطر والأفكار متقررة في هذه النفوس ومتمكنة منها كما في قوله تعالى:
{ «وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ» } [472] يقول الزمخشرى: «فان قلت: أى فرق بين قولك: وظنوا أن حصونهم تمنعهم أو مانعتهم، وبين النظم الذى جاء عليه؟ قلت: في تقديم الخبر على المبتدأ دليل على فرط وثوقهم بحصانتها، ومنعها اياهم، وفى تصيير ضميرهم اسما ل «ان» ، واسناد الجملة اليه، دليل على اعتقادهم في أنفسهم، أنهم في عزة ومنعة، لا يبالى معهم بأحد يتعرض لهم أو يطمع في معازتهم، وليس ذلك في قولك: وظنوا أن حصونهم تمنعهم» [473]
والمؤكدات كثيرة لا يمكن الاحاطة بها فان كثيرا من طرق بناء الكلام تعطيه تقوية ووكادة، فالذكر قد يفيد توكيدا، والحذف قد يفيد توكيدا، والوصل والفصل، والتكرار، والاعتراض، والالتفات، وصور التشبيه، والاستعارة، وأنواع المجاز، والكناية، كل هذه وغيرها تفيد أنواعا من التوكيد والمبالغة في تثبيت المعنى أو نفيه، ولذلك سوف أذكر هنا صورا من مظاهر التوكيد في التعبير، سواء أكان هذا التوكيد بأداة من أدوات التوكيد، أو كان بصورة من صور البناء، أو كان بحال من أحوال اللفظ.
وغرضى في هذا أن أوضح رؤيته لعناصر القوة في القول ولا أستقصى في هذا وانما أشير اليه. ولا شك أن كثيرا مما ذكرناه يصح أن يكون نماذج لأنواع من المؤكدات. ونضيف هنا ما يلحظه في دلالة الكلمة لخصوص معناها على التوكيد يقول في قوله تعالى: { «لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلى» } [474] : «فيه تقرير لغلبته وقهره وتوكيد بالاستئناف
(472) الحشر: 2
(473) الكشاف ج 4ص 398.
(474) طه: 67