أخبروا به عن أنفسهم من الثبات على اليهودية والقرار على اعتقاد الكفر والبعد من أن يزالوا عنه عن صدق رغبة ووفور نشاط وارتياح للتكلم به، وما قالوه من ذلك فهو رائج عنهم متقبل منهم فكان مظنة للتحقيق ومئنة للتوكيد» [467]
وقد يكون التوكيد لمواجهة تطلعات النفس وحسم آمالها، واطماعها كما في قوله تعالى: { «يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لَا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا» } [468] : «فان قلت:
قوله: { «وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا» } ، وارد على طريق من التوكيد لم يرد عليه ما هو معطوف عليه؟ قلت: الأمر كذلك لأن الجملة الاسمية آكد من الفعلية، وقد انضم إلى ذلك قوله «هو» وقوله «مولود» والسبب في مجيئه على هذا السنن أن الخطاب للمؤمنين وعليتهم قبض آباؤهم على الكفر وعلى الدين الجاهلى، فأريد حسم أطماعهم، وأطماع الناس فيهم أن ينفعوا آباءهم في الآخرة، وأن يغنوا عنهم من الله شيئا، فلذلك جىء به على الطريق الآكد» [469]
وقد يكون التوكيد لتقرير وعد الله وتثبيته حتى تزداد النفوس اطمئنانا اليه ووثوقا فيه، فلا تلتفت إلى أمانى الشيطان ووعده لأوليائه، يقول في قوله تعالى: { «وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ، خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا، وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا، وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا» } [470] : { «وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا» } مصدران، الأول مؤكد لنفسه، والثانى مؤكد لغيره، { «وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا» } ، توكيد ثالث بليغ. فان قلت: ما فائدة هذه التوكيدات؟ قلت: معارضة مواعيد الشيطان الكاذبة، وأمانيه الباطلة لقرنائه، بوعد الله الصادق لأوليائه، ترغيبا للعباد في ايتاء ما يستحقون به تنجيز وعد الله على ما يتجرعون عاقبته غصص اخلاف مواعيد الشيطان» [471]
(467) الكشاف ج 1ص 50.
(468) لقمان: 33
(469) الكشاف ج 3ص 398.
(470) النساء: 122
(471) الكشاف ج 1ص 440.