فهرس الكتاب

الصفحة 415 من 744

بالثالث، ولعل الزمخشرى يقصد بكونه ابتداء اخبار أنهم بدءوهم بالحديث بأنهم مرسلون اليهم ولم تكن بينهم محاورة بخلاف مقام الخطاب الثانى فانه كان مقام تحاور ومحاجة وانكار، وهذا لا ينافى أن يكونوا مع الأول منكرين.

ومن دواعى التوكيد اماطة الشبهة لغرابة الخبر وحاجته إلى التقرير والتحقيق يقول في قوله تعالى: { «فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَا مُوسى. إِنِّي أَنَا رَبُّكَ» } [463] : «تكرير الضمير فى {«إِنِّي أَنَا رَبُّكَ» } لتوكيد الدلالة وتحقيق المعرفة واماطة الشبهة» [464]

وقد يكون التوكيد مظهرا لتعلق النفس بالخبر واهتمامها به، وأنه جدير عندها بالتقوية والتقرير، وأن المخاطب متقبل له، غير منكر، ولا مدافع، كما أن ارسال الكلام غفلا من التأكيد لأن النفس غير متعلقة به، ولا صادقة الرغبة فيه، وأن المخاطب ينكره انكارا لا ينفع معه أبلغ صور التوكيد. يقول في قوله تعالى: { «وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ» } [465] :

«فان قلت: لم كانت مخاطبتهم المؤمنين بالجملة الفعلية وشياطينهم بالاسمية محققة ب «ان» ؟ قلت: ليس ما خاطبوا به المؤمنين جديرا بأقوى الكلامين، وأوكدهما، لأنهم في ادعاء حدوث الايمان منهم ونشئه من قبلهم لا في ادعاء أنهم أوحديون في الايمان غير مشقوق فيه غبارهم، وذلك اما لأن أنفسهم لا تساعدهم عليه، اذ ليس لهم من عقائدهم باعث ومحرك، وهكذا كل قول لم يصدر عن أريحية وصدق رغبة واعتقاد، واما لأنه لا يروج عنهم لو قالوه على لفظ التوكيد والمبالغة، وكيف يقولون ويطمعون في رواجه وهم بين ظهرانى المهاجرين والأنصار الذين مثلهم في التوراة والانجيل، ألا ترى حكاية الله قول المؤمنين: { «رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا» } [466] ، وأما مخاطبة اخوانهم فهم فيما

(463) طه: 11، 12

(464) الكشاف ج 3ص 42.

(465) البقرة: 14

(466) آل عمران: 16

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت