وأما أن عبد القاهر جعل من الكناية نوعا يدخل في هذا المجاز الحكمى وأن هذا النوع سماه البلاغيون بعده كناية عن نسبة، فذلك أبعد عن الصواب من كل ما سبق لأن هذين البيتين مذكوران في فصل خاص بالكناية لم يذكر فيه المجاز الحكمى بحرف واحد وعبارات عبد القاهر واضحة لا لبس فيها ولا غموض في أن هذه الصور من الكناية عن اثبات صفة لموصوف وهذا شىء والتجوز في الاسناد شىء آخر.
ولا ترى عالما لا يقع في غفلة، ولا شك أن الدكتور شوقى من علمائنا الذين نعتز بهم وله أثره الطيب في نفوس الباحثين ولهذا كنت حريصا على تخليص ما التبس.
كانت دراسة عبد القاهر للكناية هى الصورة التى تناقلتها كتب المتأخرين، وذلك لأنه حرر أقسامها وحلل مثلها، وان كان لم يتكلم عن الموصوف ولكنه كان دقيقا فيما تكلم فيه، وليت البلاغيين بعده حافظوا على طريقته في التحليل والتمييز.
وقد أشار إلى أن العرب كما يتركون التصريح بالصفة إلى التعبير عنها بطريق الكناية والتعريض «كذلك يذهبون في اثبات الصفة هذا المذهب، واذا فعلوا بدت هناك محاسن تملأ الطرف ودقائق تعجز الوصف ورأيت هناك شعرا وسحرا» [269] ثم أخذ عبد القاهر في سوق الأمثلة وتحليلها وبيان الفروق الدقيقة بين الصور فذكر قول زياد الأعجم:
إن السّماحة والمروءة والنّدى ... في قبّة ضربت على ابن الحشرج
ثم بين أن الشاعر عدل في هذا عن اثبات هذه الخلال للممدوح بالطريق الواضح المكشوف كأن يقول: هى مجموعة فيه أو مقصورة عليه إلى هذا الطريق فجعل كونها في القبة المضروبة عليه عبارة عن كونها فيه وكان لهذا فضل في جزالة هذا القول وفخامته ولو أنه
(269) دلائل الاعجاز ص 199