فهرس الكتاب

الصفحة 464 من 744

العلة في خطئه طلب منبه على تماديه، موقظ لافراطه وتناهيه، لأن المعبود لو كان حيا مميزا سميعا بصيرا مقتدرا على الثواب والعقاب، نافعا ضارا، الا أنه بعض الخلق لاستخف عقل من أهله للعبادة، ووصفه بالربوبية، ولسجل عليه بالغى المبين، والظلم العظيم، وان كان أشرف الخلق وأعلاهم منزلة، كالملائكة والنبيين، قال الله تعالى:

{ «وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا، أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ» } [136] وذلك أن العبادة هى غاية التعظيم فلا تحق الا لمن له غاية الانعام وهو الخالق الرازق المحيى المميت والمثيب المعاقب الذى منه أصول النعم وفروعها فاذا وجهت إلى غيره وتعالى علوا كبيرا أن تكون هذه الصفة لغيره لم يكن الا ظلما، وعتوا، وغيا وكفرا، وجحودا، وخروجا عن الصحيح المنير إلى الفاسد المظلم، فما ظنك به من وجه عبادته إلى جماد ليس به حس ولا شعور؟

ثم ثنى بدعوته إلى الحق مترفقا به متلطفا فلم يسم أباه بالجهل المفرط، ولا نفسه بالعلم الفائق، ولكنه قال: ان معى طائفة من العلم، وشيئا منه، ليس معك، وذلك علم الدلالة على الطريق السوى، فلا تستنكف، وهب أنى واياك في مسير، وعندى معرفة بالهداية دونك، فاتبعنى أنجك من أن تضل، ثم ثلث بتثبيطه ونهيه عما كان عليه بأن الشيطان الذى استعصى على ربك الرحمن الذى جميع ما عندك من النعم من عنده، وهو عدوك الذى لا يريد بك الا كل هلاك، وخزى، ونكال، وعدو أبيك آدم وأبناء جنسك كلهم، هو الذى ورطك في هذه الضلالة، وأمرك بها، وزينها لك، فأنت ان حققت النظر عابد الشيطان، الا أن إبراهيم عليه السلام لا معانه في الاخلاص ولارتقاء همته في الربانية لم يذكر من جنايتى الشيطان الا التى تختص منها برب العزة من عصيانه، واستكباره، ولم يلتفت إلى ذكر معاداته لآدم وذريته، كأن النظر في عظم ما ارتكب من ذلك غمره فكره وأطبق على ذهنه، ثم ربع بتخويفه سوء العاقبة وما يجره ما هو فيه من التبعة والوبال،

(136) آل عمران: 80

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت