عز وعلا فعظم شأنه وعدد نعمته من لدن خلقه وانشائه إلى حين وفاته مع ما يرجى في الآخرة من رحمته، ثم أتبع ذلك أن دعا بدعوات المخلصين، وابتهل اليه ابتهال الأوابين، ثم وصله بذكر يوم القيامة وثواب الله وعقابه، وما يدفع اليه المشركون يومئذ من الندم والحسرة على ما كانوا فيه من الضلال، وتمنى الكرة إلى الدنيا ليؤمنوا ويطيعوا» [134] .
وفى مناصحة إبراهيم عليه السلام لأبيه ودعوته إلى التوحيد يلحظ الزمخشرى ترتيب المعانى وتلاحقها كما يلحظ أسلوب الدعوة الهادئ، والمجاملة اللينة، والأدب الحسن، وان كان في أعماقه صراعا بين الحق والباطل، كما يناقش القضايا التى ساقها إبراهيم عليه السلام ويبين وجه قوتها ودلالتها، وقد طالت دراسته لمعانى هذه المناصحة وترتيب أفكارها وقد أغفل المتأخرون هذا اللون من النظر في الدراسة البلاغية، كما أغفلوا كثيرا من مباحثها، واذا كنا بصدد توضيح عنايته بدراسة المعانى ومناقشتها فمن الخير أن أذكر هذا النص القيم وان طال حديثه فيه.
يقول في قوله تعالى: { «وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ، إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا. إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا. يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا» } [135] إلى آخر الآيات
يقول: «انظر حين أراد أن ينصح أباه ويعظه فيما كان متورطا فيه من الخطأ العظيم، والارتكاب الشنيع الذى عصى فيه أمر العقلاء، وانسلخ عن قضية التمييز، ومن الغباوة التى ليس بعدها غباوة، كيف رتب الكلام معه في أحسن اتساق، وساقه أرشق مساق، مع استعمال المجاملة واللطف، والرفق، واللين، والأدب الجميل والخلق الحسن، منتصحا في ذلك بنصيحة ربه عز وعلا وذلك أنه طلب منه: أولا
(134) الكشاف ج 3ص 253
(135) مريم: 41، 42