الصورة البيانية فكان يجمع التشبيه مع المجاز والكناية في نظام واحد، الا أن هذا كان احساسا غائما، وقد يتخلف فتختلط المسائل كما هو الحال في كتاب دلائل الاعجاز.
وكان ذكر الزمخشرى لعلمى المعانى والبيان إشارة بينة إلى تمييز هذه المسائل وتصنيفها في هذين العلمين وان كان ذلك لم يتم على يده.
وكان من الخير كما يرى السكاكى أن تضبط مسائل هذين العلمين وأن تحدد تحديدا بينا، وأن تميز تمييزا واضحا، فكان هو أول من فعل ذلك فحدد أبواب علم المعانى وحصرها، وحدد أبواب علم البيان وحصرها، فأتم بذلك ما بدأ الزمخشرى.
وكان عجيبا في تصوره لطريقة ضبط معاقد هذين العلمين، ورسمه لهما طريقا يحيط بكل شعبهما، ووضعه لهما منهجا يستوعب الأصول والفروع.
وكان منهجه في ضبط مسائل كل علم ثمرة لنظره في تعريفه.
فقد ذكر أن علم المعانى «هو تتبع خواص تراكيب الكلام وما يتصل بها من الاستحسان وغيره، ليحترز بالوقوف عليها عن الخطأ في تطبيق الكلام على ما يقتضى الحال ذكره» .
ومن هذا التعريف وضع لعلم المعانى منهجه المحدد، وأبوابه المعروفة، ولم يسبق بشيء مما ذكره في هذا التحديد. والذى يلفتنا في هذا التعريف هو ذلك الربط القوى بين هذا العلم والنصوص الأدبية الرفيعة، اذ أنه يعنى بالتراكيب تراكيب البلغاء المشهود لهم بالسبق والتفوق. وهذا هو معدن هذا العلم ومرجعه والذى يجب أن يطول فيه نظر دارسيه، والسكاكى هذا يجعل قراءة البلاغة تتبعا لخواص التراكيب يعنى قراءة نصوص أدبية بطريقة واعية تتبع فيها أحوال المبانى لتستخرج منها دقائق المعانى وهذا هو السكاكى الذى عابه الناس.
وقد نظر السكاكى فوجد التعرض لخواص التراكيب موقوفا على
التعرض للتراكيب. ثم ان التعرض لتراكيب الكلام وهى منتشرة أمر يصعب، فوجب المصير إلى ايرادها تحت الضبط. ولهذا صنف كلام العرب في قسمين كبيرين: الخبر والانشاء، ثم رأى أن الخبر يرجع إلى الحكم بمفهوم لمفهوم وهو الذى نسميه الاسناد الخبرى، فتحصل له أربعة أبواب: