والمرحلة الثالثة: كانت جهدا نظريا خالصا، تشوبه أحيانا ومضات تحليلية، بعضها سرى اليها من المرحلتين الأولى والثانية، وبعضها كان من جهد السكاكى، ولم يكن له سبق في هذا الباب.
واذا كان أبو يعقوب في عمله الأكبر الذى هو تحديد مسائل علمى المعانى والبيان يسير على الطريق الذى رسمه الزمخشرى، فقد كان يأخذ كثيرا من قبساته في دراسة مسائل البلاغة وأصولها، ونعرض الآن صورا من هذا الأخذ والتأسى.
وكان تأثر السكاكى بالزمخشرى واضحا في هذا الفن، فقد أشار إلى أن الكلام إذا انتقل من أسلوب إلى أسلوب كان أدخل في القبول عند السامع «وأحسن تطرية لنشاطه، وأملأ باستدرار اصغائه، وأنه يختص مواقعه بلطائف معان قلما تصح الا لأفراد بلغائهم، أو للحذاق المهرة في هذا الفن» [2] .
وهذا تلخيص لقيمة الالتفات كما ذكره الزمخشرى.
وقد أخذ عن الكشاف معنى الالتفات وقد خالفه البلاغيون في هذا، فقد ذكر أن امرأ القيس قد التفت في قوله:
تطاول ليلك بالأثمد ... وبات الخلىّ ولم ترقد
وبات وباتت له ليلة ... كليلة ذى العائر الأرمد
وذلك من نبأ جاءنى ... وخبّرته عن أبى الأسود
وواضح أن جمهور البلاغيين لا يرون التفاتا في البيت الأول، لأن الالتفات لا يقع عندهم الا بعد جريان الأسلوب على طريقة من الطرق الثلاثة ثم يعدل عنها إلى غيرها.
(2) ينظر المفتاح ص 106، 107