واذا حاول أبو يعقوب بيان مواقع الالتفات، وكشف قيمتها الفنية في النصوص الأدبية وجدته بين حالين، حال يكون فيها مجيدا في الكشف والتحليل عن موقع هذه الطريقة، وذلك إذا كان يصدر عن تأثر بصاحب الكشاف، اما لأنه سبقه ببيان الالتفات في هذا النص ولطف موقعه، واما لأنه أى السكاكى جرى فيه على طريقة الزمخشرى في نص آخر. وحال لا يكون فيها مجيدا ولا قريبا من الإجادة وذلك إذا اعتمد على مقدرته الأدبية، واستقل بفهمه وذوقه، فانه في كثير من هذه الحالات يحوم ولا يقع على شىء يعتد به.
مثاله في الحال الأولى ما يقوله في قوله تعالى: { «إِيَّاكَ نَعْبُدُ» } [3] :
«أليس مما يشهد له الوجدان بحيث يغنيه عن شهادة ما سواه أن المرء إذا أخذ في استحضار جنايات جان منتقلا فيها عن الاجمال إلى التفصيل وجد من نفسه تفاوتا في الحال بينا لا يكاد يشبه آخر حاله هناك أولها، أو ما تراك إذا كنت في حديث مع انسان وقد حضر مجلسكما من له جنايات في حقك كيف تصنع؟ تحول عن الجانى وجهك، وتأخذ في الشكاية عنه إلى صاحبك تبثه الشكوى معددا جناياته واحدة فواحدة، وأنت فيما بين ذلك واجد مزاجك يحمى على تزايد يحرك حالة لك غضبية تدعوك إلى أن تواثب ذلك الجانى، وتشافهه بكل سوء، وأنت لا تجيب، إلى أن تغلب فتقطع الحديث مع الصاحب، ومباحثتك اياه، وترجع إلى الجانى شافها له: بالله قل لى: هل عامل أحد مثل هذه المعاملة، هل يتصور معاملة أسوأ مما فعلت، أما كان لك حياء يمنعك، أما كانت لك مروءة تردعك على هذا؟. واذا كان الحاضر لمجلسكما ذا نعم عليك كثيرة فاذا أخذت في تعديد نعمة عند صاحبك مستحضرا لتفاصيلها أحسست من نفسك بحالة كأنها تطالبك بالاقبال على منعمك، وتزين لك ذلك، ولا تزال تتزايد ما دمت في تعديد نعمه حتى تحملك من حيث لا تدرى على أن تجدك وأنت معه في الكلام تثنى عليه، وتدعو له،
(3) الفاتحة: 5