وتقول: بأى لسان أشكر صنائعك الروائع، وبأية عبارة أحصر عوارفك الذوارف، وما جرى ذلك المجرى» [4] .
وقد ذكر الزمخشرى مثل هذا في مواطن كثيرة من الكشاف وقد بيناها في دراسة الالتفات، ومثاله في الحال الثانية ما يقوله في أبيات امرئ القيس السابقة بعد ما نوه بمكانة الشاعر وفحولته: «وكان يمكنه ألا يلتفت البتة، وذلك أن يسوق الكلام على الحكاية في الأبيات الثلاثة، فيقول: تطاول ليلى بالأثمد ونام الخلى ولم أرقد، وبت وبات لنا ليلة، كقول لبيد: «فوقفت أسألها وكيف سؤالنا» أو أن يلتفت نوعا واحدا، فيقول: وبت وبات لكم، وذلك من نبأ جاءكم، وخبرتم عن أبى الأسود. أن يكون حين قصد تهويل الخطب واستفظاعه في النبأ الموجع، والخبر المفجع للواقع الفات في العضد، المحرق للقلب والكبد، فعل ذلك منبها في التفاته الأول على أن نفسه وقت ورود ذلك النبأ عليها ولهت وله الثكلى، فأقامها مقام المصاب الذى لا يتسلى بعض التسلى الا بتفجع الملوك وتحزنهم عليه، وأخذ يخاطبه بتطاول ليلك تسلية، أو نبه على أن نفسه لفظاعة شأن النبأ واستشعارها معه كمدا وارتماضا أبدت قلقا لا يقلقه كمد، وضجرا لا يضجره مرتمض، وكان من حقها أن تثبت وتتصبر، فعل الملوك وجريا على سننها المسلوك عند طوارق النوائب وبوارق المصائب فحين لم تفعل شككته في أنها نفسه، فأقامها مقام مكروب ذى حرق، قائلا له: تطاول ليلك، مسليا.
وفى التفاته الثانى على أن المتحزن تحزن تحزّن صدق، ولذلك لا يتفاوت الحال خاطبتك أم لم أخاطبك، وفى التفاته الثالث على أن جميع ذلك انما كان لما خصه ولم يتعداه إلى من سواه».
وهكذا تدور النكتة البلاغية للالتفات في هذه الأبيات حول مكانة الشاعر الاجتماعية، اذ أنه ملك وتفجع الملوك تفجع له شأنه، وقلق نفوسهم لا يكون الا لأمر خطير، ولو كان شاعرنا غير ملك لما كان لهذا
(4) المفتاح ص 109