أقصى ما يراد بنا فقد جئنا خراسانا وآن لنا أن نخلص، وكذلك: ان كنتم منكرين البعث فهذا يوم البعث أى فقد تبين بطلان قولكم» [158]
وقوله: هى التى قوله: «فقد جئنا خراسانا» احالة على ما ذكره في الآية السابقة الا أنه لما سكت هناك عن بيان حقيقتها النحوية عمد هنا اليه.
وقد أشار عبد القاهر إلى هذه «الفاء» وحسن موقعها وذكر هذا البيت، ولكن عبد القاهر كان يبسط فكرة عامة تكون هذه «الفاء» احدى صورها الجزئية. وهذه الفكرة تعنى أن معانى النحو لا تحسن في كل موضع تقع فيه وانما تحسن حيث تصيب موقعها الأشكل بها، وأن هذه المعانى كالأصباغ يتهدى صانعها إلى مقاديرها وكيفية مزجها وتخير مواضعها، لهذا يكون نقش أعجب من نقش وصورة أغرب من صورة، وعلى هذا الأساس تنظر في الشعر لتعرف مدى اصابة الشاعر في استخدام معانى النحو، فمن الشعراء من تقع الاصابة في معانيه كالأصباغ المتفرقة تتلاحق وينضم بعضها إلى بعض حتى تكثر في العين، وللحكم على هذا الشاعر بالاصابة والحذق ينبغى أن تتابع عدة أبيات حتى تجمع هذه المحاسن وتملأ العين منها. ومن الشعراء من تفاجئك قدراته وفحولته فترى الحسن يهجم عليك دفعة ويأتيك منه ما يملأ العين غرابة فتعرف من البيت الواحد مكان الرجل من الفضل. وكأنه في هذا يذكر خصائص الشعر الجاهلى وهو نص جيد وقد قرأته على شيخنا الاستاذ محمود شاكر وقلت له: أحسب أن عبد القاهر يشير فيه إلى خصائص الشعر الجاهلى، فأجاب: بأن ذلك ليس بعيدا.
ويقول عبد القاهر في معنى «الفاء» :
«ثم انك تحتاج إلى أن تستقرئ عدة قصائد بل أن تفلى ديوانا من الشعر حتى تجمع منه عدة أبيات، وذلك ما كان مثل قول الأول
(158) الكشاف ج 3ص 384.