تخلق أنثى غير حواء من قصيرى رجل فكانت أدخل في كونها آية وأجلب لعجب السامع فعطفها ب «ثم» على الآية الأولى للدلالة على مباينتها لها فضلا ومزية وتراخيها عنها فيما يرجع إلى زيادة كونها آية فهو من التراخى في الحال والمنزلة لا من التراخى في الوجود» [151] .
ومثله ما ذكره في قوله تعالى: { «وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لَا يُنْظَرُونَ» } [152] فقد قال: «ومعنى «ثم» : بعد ما بين الأمرين قضاء الأمر وعدم الانظار، وجعل عدم الانظار أشد من قضاء الأمر لأن مفاجاة الشدة أشد من نفس الشدة» [153] .
أما «الفاء» فان أحسن مواقعها ما تدل فيه على المفاجأة. ولقد لحظ الزمخشرى هذا وقال في قوله تعالى: { «فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِمَا تَقُولُونَ» } [154] : «هذه المفاجأة بالاحتجاج والالزام حسنة رائعة وخاصة إذا انضم اليها الالتفات وحذف القول، ونحوها قوله تعالى: {«يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ، فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ» } [155] ، وقول القائل:
قالوا خراسان أقصى ما يراد بنا ... ثم القفول فقد جئنا خراسان [156]
ويكرر هذا الكلام في هذه «الفاء» ويضيف اليه تحليلا نحويا بين فيه حقيقتها، يقول في قوله تعالى: { «لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلى يَوْمِ الْبَعْثِ، فَهَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ» } [157] : «فان قلت: ما هذه «الفاء» وما حقيقتها؟ قلت: هى التى في قوله: فقد جئنا خراسانا، وحقيقتها أنها جواب شرط يدل عليه الكلام كأنه قال: ان صح ما قلتم من أن خراسان
(151) الكشاف ج 4ص 88.
(152) الأنعام: 8.
(153) الكشاف ج 2ص 5.
(154) الفرقان: 19.
(155) المائدة: 19.
(156) الكشاف ج 3ص 214.
(157) الروم: 56.