ثم لم تنتهزها استبعادا لتركه الانتهاز، ومنه «ثم» في بيت الحماسة:
لا يكشف الغماء إلا ابن حرّة ... يرى غمرات الموت ثم يزوره
استبعد أن يزور غمرات الموت بعد أن رآها واستيقنها وأطلع على شدتها» [146] .
وقد تكرر هذا في قوله تعالى: { «يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا» } [147] يقول فيها: «فان قلت: ما معنى «ثم» ؟ قلت:
الدلالة على أن انكارهم أمر مستبعد بعد حصول المعرفة لأن حق من عرف النعمة أن يعترف لا أن ينكر» [148] .
ومثله ما يذكره في قوله تعالى: { «وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ. ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ» } [149] .
الثانى: بيان البعد بين الأمرين وهذا غير الاستبعاد اذ المراد أن الأمرين من جنس واحد ولكن ما بعد «ثم» أعلى مرتبة في هذا الجنس وأبلغ مما قبلها، فليس بين الأمرين منافاة كما في الاستبعاد وانما بينهما تفاوت وهما من جنس واحد. ومن ذلك ما ذكره في قوله تعالى:
{ «خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا» } [150] فقد قال: «فان قلت: ما وجه قوله: {«ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا» } وما يعطيه من معنى التراخى؟ قلت: هما آيتان من جملة الآيات التى عددها دالا على وحدانيته وقدرته: تشعيب هذا الخلق الفائت للحصر من نفس آدم، وخلق حواء من قصيراه بضم القاف وفتح الصاد أى أسفل أضلاعه الا أن أحدهما جعلها الله عادة مستمرة، والأخرى لم تجر بها العادة ولم
(146) الكشاف ج 2ص 407.
(147) النحل: 83.
(148) الكشاف ج 2ص 488.
(149) ينظر الكشاف ج 1ص 119والآية من سورة البقرة:
(150) الزمر: 6.