فهرس الكتاب

الصفحة 37 من 744

وعلينا أن نذكر أن التطبيقات في الدرس البلاغى ليست أمرا هينا، لأنها هى حياته ونماؤه، وتتركز فيها قدرة البليغ ومهارته، فقواعد البلاغة وأصولها يمكن أن تجمع في صفحات، والمهم هو التطبيق والنظر المتثبت في النص المدروس وتحليل تركيبه، وابراز محاسن صياغته، ودلالات خصوصياته. والذى يعين على ذلك الحس المرهف، والذوق المتمرس البصير، وهذا التحليل المبنى على التذوق هو أصح المناهج وأقومها في دراسة البلاغة، فاذا تخلف الذوق كانت أصولا علمية شاحبة كما هى في كتاب المفتاح، واذا تخلفت القدرة على التحليل والتفسير كانت ضربا من التحكمات الشخصية. تدفع بها إلى متاهات غير منضبطة، وليس التطبيق في مسائل البلاغة كالتطبيق في مسائل النحو والعروض، وذلك لأنه يسهل على النحوى أن يطبق فكرا وأصولا نحوية على نص يدرسه، ويصعب على البلاغى أن يطبق أصولا بلاغية على نص يدرسه، وتحديد المراد من الخصائص البلاغية لا يتأتى الا بالحس الأدبى، ولهذا كان تذوق النص الأدبى جزءا من منهج الدراسة البلاغية، ولهذا أشار عبد القاهر والزمخشرى حين ذكرا الطبع المتهيئ، والقريحة الوقادة.

ولذلك نقول ان استعمال كلمة التطبيق في الدراسة البلاغية، تستحق من الأهمية أكثر مما تستحق إذا استعملت في الدراسة النحوية، لأنها تعنى هنا التفسير والتحليل والشرح. وهذا شىء له خطورته في دراسة الشعر والأدب.

ولهذا أقول ان تطبيقات الزمخشرى في كشافه لبعض الأصول البلاغية المقررة في زمانه يمكن أن تعتبر من اضافاته ما دام يضفى عليها من حسه وذوقه. وشىء آخر في هذه التطبيقات يعطيها أهمية وأصالة، ذلك أن هذه الأصول البلاغية التى قررها عبد القاهر كانت كأنها منكورة أو قلقة بين معاصريه، ولذلك كان يشكو كثيرا من جهل الناس بما يقول، وعجزهم عن استيعابه وتمثله، فأتاحت تطبيقات الزمخشرى لها قوة ومكانة، وثبتتها في البيئة العلمية، وأظهرت قدرتها على تحديد المزايا البلاغية لأسلوب القرآن في صورة دقيقة

وشاملة، وارتضتها فرقة المعتزلة التى تناوئ شيعة عبد القاهر وتصاولها، فكان ذلك تأصيلا لهذه الأصول أى تأصيل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت