ولهذا أقول ان تطبيقات الزمخشرى في كشافه لبعض الأصول البلاغية المقررة في زمانه يمكن أن تعتبر من اضافاته ما دام يضفى عليها من حسه وذوقه. وشىء آخر في هذه التطبيقات يعطيها أهمية وأصالة، ذلك أن هذه الأصول البلاغية التى قررها عبد القاهر كانت كأنها منكورة أو قلقة بين معاصريه، ولذلك كان يشكو كثيرا من جهل الناس بما يقول، وعجزهم عن استيعابه وتمثله، فأتاحت تطبيقات الزمخشرى لها قوة ومكانة، وثبتتها في البيئة العلمية، وأظهرت قدرتها على تحديد المزايا البلاغية لأسلوب القرآن في صورة دقيقة
وشاملة، وارتضتها فرقة المعتزلة التى تناوئ شيعة عبد القاهر وتصاولها، فكان ذلك تأصيلا لهذه الأصول أى تأصيل.
وبعد كتاب الكشاف انقطع في درس البلاغة هذا الاتجاه تماما، ولا يصلح المثل السائر أن يكون امتدادا له، ولا يصلح الطراز كذلك أن يكون امتدادا له. وسوف يظهر لنا أن ما أفاده ابن الأثير من الكشاف وما أفاده العلوى كذلك من الكشاف هو خير ما في هذين الكتابين.
ثم شغلت الدراسة البلاغية بهذا المنهج الملفق الذى حدده أبو يعقوب في كتاب المفتاح، واستمد أصوله الأساسية الهامة في منهجه من كتاب نهاية الايجاز. وقد أشرت في بحث كتبته في بلاغة المفتاح إلى تلك الأواصر القوية بين الكتابين، ووضعت اليد على ما أفاده أبو يعقوب من الرازى، وبينت أن ذلك كان في أصول العلم. كتحديد علم البيان الذى أفاده أبو يعقوب مما كتبه الرازى في الدلالة المعنوية، وكمبحث الدلالة الذى قدم بها لدراسة علم البيان. وكالاصطلاحات التى تتداول في البلاغة إلى اليوم، كاصطلاح الاستعارة التصريحية والمكنية والتبعية والأصلية والتخييلية، وكالقول بوجوب فاعل حقيقى في الاسناد المجازى. كل هذا وغيره كثير ذكره ابن الخطيب الرازى وحسبه الناس لأبى يعقوب.
وقد استمد السكاكى مادته العلمية من كلام عبد القاهر والزمخشرى، ولكنه عجز عن المحافظة على الروح الأدبية، لأنه حاول أن يلخص، والمشتغلون بالبلاغة يفهمون أن تلخيص التحليلات البلاغية يفسدها. وكذلك فعل أبو يعقوب حين استخلص مادته العلمية مما ذكره الشيخان.
ومن الغريب أن تتحدد بلاغتنا وتنتهى عند هذه الصورة في هذا المنهج الذى لم يضع أصوله فقهاء هذا الفن، لأننا نعرف أن ابن الخطيب وان كان من أعظم رجال الفكر الاسلامى فليس من أعظم رجال البلاغة، ونحن نعرف أن السكاكى عاش عيشة العوام حتى ناهز
الثلاثين، ثم انصرف إلى العلم طلبا للحظوة ونيل ما عند السلاطين.