فهرس الكتاب

الصفحة 39 من 744

ومن الغريب أن تتحدد بلاغتنا وتنتهى عند هذه الصورة في هذا المنهج الذى لم يضع أصوله فقهاء هذا الفن، لأننا نعرف أن ابن الخطيب وان كان من أعظم رجال الفكر الاسلامى فليس من أعظم رجال البلاغة، ونحن نعرف أن السكاكى عاش عيشة العوام حتى ناهز

الثلاثين، ثم انصرف إلى العلم طلبا للحظوة ونيل ما عند السلاطين.

وله حكاية مشهورة في هذا، ودراستنا لثقافته تفيدنا أنه لم يتوفر على درس اللغة والأدب، ولم تتح له ظروف حياته الادمان، والممارسة، والمعايشة، حتى يتهيأ له اكتساب ذوق هذه اللغة، وان أتاحت له أن يحفظ قدرا من قواعدها، لأننا نعتقد أن اكتساب الذوق يأتى متأخرا بالنسبة للاحاطة بالأصول والقواعد، فهو محتاج إلى جهد أكثر، ومثابرة أطول. وبجانب هذا كان السكاكى يحفظ أخلاطا من المعارف الغامضة والشاذة، فقد كان أعلم الناس بالسحر في زمانه، وكان يستنزل الكواكب من أفلاكها كما يقول المؤرخون.

ولا شك أن من أهم ما أغرى الدارسين بكتاب السكاكى هو سهولته، لأن المسائل البلاغية التى لا تعتمد الا على العقل يسهل تحصيلها والاحاطة بها، وصعوبة هذا الكتاب تتركز في عبارته وأسلوبه المعقد الغامض، أما مادته العلمية فما أسهلها ولذلك حفظها الصبيان لما شذبها الخطيب في كتاب التلخيص، وان كانت لا تغنى فتيلا في ادراك العلم وفقه أسراره.

وكان غبنا للبلاغة والبلاغيين أن يستمر الدرس البلاغى على هذا المنهج حتى هذا الوقت الذى نعيش فيه. وقد اعتمده الأستاذ المرحوم أمين الخولى حين قارن بين دراستنا لبلاغتنا ودراسة أمم الغرب لبلاغتهم في المنهج والموضوع، ورأى لبلاغتنا وجها شاحبا معروقا، وهو على حق ما دام ينظر اليها من هذا الوجه.

ولما كان درس البلاغة العربية لم يستقم على منهج صحيح وطريقة أقرب إلى الكمال، الا في دراسة الشيخين. وكانت بلاغة الزمخشرى كأنها تائهة في تفسيره لا تظهر ملامحها محددة واضحة في كل مسألة من المسائل البلاغية عمدت في هذا البحث إلى بيانها وتوضيحها، حتى يرى الدارسون كل ما قاله الزمخشرى في كل مسألة من المسائل البلاغية. وفى ضوء هذا يتحدد ما أضافه من أصول في هذه الدراسة، وما أفاده من غيره ثم ما أفاده غيره منه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت