وكان يلزم لهذا أن أتتبع الفكرة البلاغية في كتاب الكشاف، فقرأت تفسيره مرات واستخرجت منه كل ما يتصل بمسائل البلاغة وجمعت النظير مع نظيره.
ولحظت أنه يذكر النظم، وعلم محاسن النظم، وتجاوب النظم، كما يذكر علم المعانى وعلماء المعانى، وكذلك يذكر علم البيان، فجمعت كل ما يتصل بهذا وعقدت له فصلا خاصا ببحث النظم وتحديد مفهومه كما يتصوره الزمخشرى، ثم لحظت أنه يقف عند مفردات النص، ويشير إلى تمكن الكلمة في سياقها، وملاءمتها لصاحبتها من حيث مادتها وهيئتها جمعا أو افرادا، وصيغتها فعلا أو اسما، كما ينظر في معانى أدوات الربط ك (الفاء وثم وان واذا) ، وحروف الجر ويفسر مواقعها تفسيرا أدبيا ممتازا، فعقدت لذلك فصلا، درست فيه ما يتصل بالكلمة وبينت ما أفاده من غيره، وما أضافه من حسه وذوقه، ثم رأيته يقف عند أحوال صياغة الجملة ويفسر خصائصها تفسيرا بلاغيا، ويدرس التقديم، وصور الأمر والنهى. والنفى، والاستفهام، وغير ذلك مما يتصل بالجملة، فعقدت لذلك فصلا درست فيه كل ما يتصل بصياغة الجملة. ثم لحظته يدرس العبارة والفقرة، فينظر في الفواصل القرآنية وملاءمتها لمضامين الآيات، كما يدرس الفصل والوصل، والالتفات، وأسلوب التكرير، والاختصار، وترتيب الجمل وبناء ثان منها على أول، فعقدت لكل ذلك فصلا يشمل دراسة الجمل من جميع هذه الوجوه، ثم رأيته يقف عند صور البيان مفسرا، ودارسا ومحددا، فيذكر التشبيه التمثيلى، والمجاز، والاستعارة، والكناية، والتعريض، فعقدت لذلك فصلا، درست فيه كل ما يتصل بالصور البيانية. ثم لحظته يذكر ألوانا من البديع ويشير إلى قيمتها البلاغية والى أنها من صميم البلاغة القرآنية، ثم يذكر فنا كالجناس ويشير إلى أن بلاغته كغير الملتفت اليها، فعقدت لذلك فصلا درست فيه مذهبه في البديع، وصلته بالاعجاز البلاغى، وبينت فيه ما ذكره من ألوانه.
ثم رأيت أثره في الدراسات البلاغية واضحا في كل ما كتب في البلاغة بعد الكشاف، ورأيت أن أهم ما شغل الدراسة البلاغية بعد
الزمخشرى هو كتاب المفتاح وما دار حوله من دراسات، وكتاب المثل السائر، وكتاب الطراز، فرأيت أن أحدد أثره في هذه الكتب الثلاثة.