فهرس الكتاب

الصفحة 664 من 744

ولا المعانى اللطيفة الدقيقة دون أن تكون مستجلبة لبلوغ غرض المخاطب بها.

ويدعى ابن الأثير أنه استخرج هذا النوع من كتاب الله، وليس له فيه جهد يذكر، فانه لم يزد على أن ذكر نصين من كلام الزمخشرى ثم أورد محاورة بين الحسين بن على رضى الله عنه ومعاوية ابن أبى سفيان، جرى القول فيها من معاوية على طريقة الاستدراج التى جرت عليها النصوص القرآنية المذكورة في هذا الباب يقول ابن الأثير:

«وقد ذكرت في هذا النوع ما يتعلم منه سلوك هذه الطريقة، فمن ذلك قوله تعالى: {«وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ، وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ، إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ» } [98] وفى هذا الكلام من حسن الأدب والانصاف ما أذكره لك فأقول: انما قال: { «يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ» }

وقد علم أنه نبى صادق وأن كل ما يعدهم به لا بد أن يصيبهم لا بعضه لأنه احتجاج في مقاولة خصوم موسى عليه السلام أن يسلك معهم طريق الانصاف والملاطفة في القول ويأتيهم من جهة المناصحة ليكون أدعى إلى سكونهم اليه فجاء بما علم أنه أقرب إلى تسليمهم لقوله وأدخل في تصديقهم اياه فقال: { «وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ» }

وهو كلام المنصف في مقاله غير المشتط وذلك أنه حين فرضه صادقا فقد أثبت أنه صادق في جميع ما يعد به، لكنه أردف بقوله: { «يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ» } ليهضمه بعض حقه في ظاهر الكلام فيريهم أنه ليس بكلام من أعطاه حقه وافيا فضلا عن أن يتعصب له، وتقديم الكاذب على الصادق من هذا القبيل» [99] .

(98) غافر: 28

(99) المثل السائر ج 2ص 260، 261، 262.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت