قامت حول شعر البحترى وأبى تمام والمتنبى فحسب كما يتبادر إلى الأذهان، وانما أقصد بجانب هذا الخصومة حول اعجاز القرآن.
ويجب أن نذكر هنا وقفات على بن عيسى الرمانى عند صور الاستعارة واشاراته الفذة إلى دلالاتها الأدبية. يقول في قوله تعالى:
{ «بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ» } [242] : «حقيقته شديدة، و «العتو» أبلغ منه لأن العتو شدة فيها تمرد» ويقول في قوله تعالى: { «وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ» } [243] : «حقيقته انتفاء الغضب، والاستعارة أبلغ لأنه انتفى انتفاء مراصد بالعودة فهو كالسكوت على مراصدة الكلام بما توجبه الحكمة في الحال فانتفى الغضب بالسكوت عما يكره» ، { «وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ» } [244] : أصل الاشتعال للنار وهو في هذا الموضع أبلغ وحقيقته كثرة شيب الرأس الا أن الكثرة لما كانت تتزايد سريعا صارت في الانتشار والاسراع كاشتعال النار وله موقع في البلاغة عجيب وذلك أنه انتشر في الرأس انتشارا لا يتلافى كاشتعال النار، وقال تعالى:
{ «بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ» } [245] :
«فالقذف والدمغ هنا مستعار وهو أبلغ، وحقيقته: بل نورد الحق على الباطل فيذهبه، وانما كانت الاستعارة أبلغ لأن في القذف دليلا على القهر لأنك إذا قلت: قذف به اليه، فانما معناه: ألقاه اليه على جهة الاكراه والقهر فالحق يلقى على الباطل فيزيله على جهة القهر والاضطرار لا على جهة الشك والارتياب و «يدمغه» أبلغ من: يذهبه، لما في يدمغه من التأثير فيه فهو أظهر في النكاية وأعلى في تأثير القوة» [246]
ويعلق الأستاذ الخولى رحمه الله على تحليلات الرمانى لصور الاستعارة بقوله: ويستطيع الدارس لأثر الرمانى في البيان العربى أن يقرر أن الرمانى في دراسته القرآنية جاوز بالصورة البيانية مرحلة صباها وكاد يحقق لها شبابها فقد أبدى للباحث الجمال القرآنى سافرا
(242) الحاقة: 6
(243) الأعراف: 154
(244) مريم: 4
(245) الأنبياء: 18
(246) النكت في اعجاز القرآن ص 8279ضمن ثلاث رسائل.