ومثله من كلام العرب: ليل نائم، ومثله من كتاب الله: { «فَإِذَا عَزَمَ الْأَمْرُ» } [253] ، وانما العزيمة للرجال فلو قال قائل: قد خسر عبدك، لم يجز ذلك ان كنت تريد أن تجعل العبد تجارة يربح فيه أو يوضع، لأنه قد يكون العبد تاجرا فيربح أو يوضع فلا يعلم معناه إذا ربح هو من معناه إذا كان متجوزا فيه، فلو قال قائل: قد ربحت دراهمك ودنانيرك، وخسر بزك ورقيقك، كان جائزا لدلالة بعضه على بعض» [254] ، «وفى هذا إشارة واضحة إلى علاقة المجاز الحكمى وقرينته، وقد أفاد الزمخشرى من هذا النص في تفسيره هذه الآية [255]
وقد وقف ابن قتيبة عند صور هذا المجاز في باب مخالفة ظاهر اللفظ معناه وقال: «ومنه أن يجيء المفعول به على لفظ الفاعل كقوله سبحانه: {«لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ» } [256] أى معصوم من أمره، وقوله: { «مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ» } [257] أى مدفوق، وقوله: { «فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ» } [258] أى مرضى بها، وقوله: { «أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا» } [259] أى مأمونا فيه، وقوله: { «وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً» } [260] أى مبصرا بها، والعرب تقول: «ليل نائم» و «سر كاتم» ثم يقول: ومنه أن يأتى الفاعل على لفظ المفعول به وهو قليل كقوله: { «إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا» } [261]
ويقول في موطن آخر رادا على الطاعنين على القرآن بالمجاز:
«والله تعالى يقول: {«فَإِذَا عَزَمَ الْأَمْرُ» } وانما يعزم عليه، ويقول
(253) محمد: 211
(254) معانى القرآن للفراء ج 1ص 14.
(255) ينظر الكشاف ج 1ص 53.
(256) هود: 43
(257) الطارق: 6
(258) الحاقة: 21
(259) العنكبوت: 67
(260) الاسراء: 12
(261) تأويل مشكل القرآن ص 227والآية من سورة مريم: 61