ولحظنا أيضا أنه ذكر أوصافا للنظم الجيد، منها «سداد النظم» و «جزالة النظم» و «تجاوب أطراف النظم» وجعل هذا علما وسماه «علم محاسن النظم» كما ذكر أوصافا للنظم الردىء منها «تنافر النظم» و «تبتير النظم» و «تفكك النظم» وخروجه عن اتساقه والتئامه.
واذا كان النظم فيما ذكرنا وصفا لجمل الكلام غالبا فاننا نجده وصفا لبناء الجملتين أو الجملة الواحدة، ونجد الزمخشرى يقف عندها يتأمل تأليفها وما جاء عليه نسقها ويستخرج من ذلك المعانى والاشارات، وهو لا يغفل هنا أيضا عن مفرداتها بل يضع بصره عليها وينفذ فيها ويستخرج منها ما تحمله وما توحى به، ثم تكون له نظرته العامة لجملة معناها والغرض منها، يقول في قوله تعالى: { «إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوى، لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ» } [34] : «وهذه الآية بنظمها الذى رتبت عليه من ايقاع الغاضين أصواتهم اسما ل «ان» المؤكدة وتصيير خبرها جملة المستودعة ما هو جزاؤهم على عملهم، وايراد الجزاء نكرة مبهما أمره، ناظر في الدلالة على غاية الاعتداد والارتضاء لما فعل الذين وقروا رسول الله صلّى الله عليه وسلم من خفض أصواتهم، وفى الاعلام بمبلغ عزة رسول الله صلّى الله عليه وسلم وقدر شرف منزلته، وفيها تعريض بعظيم ما ارتكب الرافعون أصواتهم واستيجابهم ضد ما استوجب هؤلاء» [35] .
وقد ينظر في نظم الجملة أعنى ترتيب كلماتها وما يفيده هذا الترتيب ويكشف عن مطابقته لقصد المتكلم واحاطته بدقيق خواطره وتصويره لخلجات نفسه. يقول في قوله تعالى: { «وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ» } [36] : «فان قلت: أى فرق بين «وظنوا أن حصونهم تمنعهم»
(34) الحجرات: 3
(35) الكشاف ج 4ص 383.
(36) الحشر: 2