وقد يراد بالنهى عن الفعل الاستمرار على الحال التى عليها المخاطب وذلك إذا كان المخاطب غير متصف بالمنهى عنه كما في قوله تعالى: { «لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ» } [278] يقول الزمخشرى: «فيه وجهان والثانى أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم كان غير مغرور بحالهم فأكد عليه ما كان عليه وثبت على التزامه كقوله: {«وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ» } [279] ، { «فَلَا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ» } [280] وهذا في النهى نظير قوله في الأمر: { «اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ» } [281] ، { «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا» } [282]
وهذا الأسلوب نفسه الذى نهى به رسول الله صلّى الله عليه وسلم عن أفعال لا يجوز عليه التلبس بها يلحظ الزمخشرى فيه معنى الالهاب والتهييج والاثارة لشدة التمسك بما هو عليه.
يقول في قوله تعالى: { «لَقَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ. وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ» } [283] : «فاثبت ودم على ما أنت عليه من انتفاء المرية عنك، والتكذيب بآيات الله، ويجوز أن يكون على طريقة التهييج والالهاب كقوله: {«فَلَا تَكُونَنَّ ظَهِيرًا لِلْكَافِرِينَ» } [284] ، { «وَلَا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آيَاتِ اللَّهِ بَعْدَ إِذْ أُنْزِلَتْ إِلَيْكَ» } [285] ولزيادة التثبيت والعصمة».
وقد يعمد البليغ إلى صورة من صور الفعل فيسلط النفى عليها ومراده النهى عن الفعل بصوره كلها الا أن هذه الصورة التى اختارها البليغ أقبح صور الفعل وأبغضها عند النفس فاستجابة النفس إلى الكف عنها أطوع وأسرع، وقد تنبه الزمخشرى إلى هذه الطريقة في آيات القرآن التى يراد فيها مواجهة النفس الانسانية برذائلها المنفرة وتصوير هذه
(278) آل عمران 196
(279) الأنعام: 14
(280) القلم: 8
(281) الفاتحة: 6
(282) الكشاف ج 1ص 352.
(283) يونس: 94، 95
(284) القصص: 86
(285) القصص: 87