يهتف به الرجل بمن يناديه، وأما نداء القريب فله «أى» والهمزة. ثم استعمل في مناداة من سها وغفل وان قرب تنزيلا له منزلة من بعد، فاذا نودى به القريب المفاطن فذلك للتأكيد المؤذن بأن الخطاب الذى يتلوه معنى به جدا. فان قلت: فما بال الداعى يقول في جؤاره: يا رب ويا الله، وهو أقرب اليه من حبل الوريد، وأسمع به وأبصر؟ قلت: هو استقصار منه واستبعاد لها من مظان الزلفى وما يقربه إلى رضوان الله ومنازل المقربين، هضما لنفسه واقرارا عليها بالتفريط في جنب الله مع فرط التهالك على استجابة دعوته، والاذن لندائه وابتهاله، و «أى» وصلة إلى نداء ما فيه الألف واللام وهو اسم مبهم مفتقر إلى ما يوضحه ويزيل ابهامه، فلا بد أن يردفه اسم جنس أو ما يجرى مجراه يتصف به حتى يصح المقصود بالنداء، وفى هذا التدرج من الابهام إلى التوضيح ضرب من التأكيد، والتشديد، وكلمة التنبيه المقحمة بين الصفة وموصوفها لفائدتين، معاضدة حرف النداء، ومكاتفته، بتأكيد معناه، ووقوعها عوضا مما يستحقه، أى من الاضافة. فان قلت: لم كثر في كتاب الله النداء على هذه الطريقة ما لم يكثر في غيره؟ قلت: لاستقلاله بأوجه من التأكيد وأسباب من المبالغة لأن كل ما نادى الله له عباده من أوامره، ونواهيه، وعظاته، وزواجره، ووعده، ووعيده، واقتصاص أخبار الأمم الدارجة عليها، وغير ذلك مما انطلق به كتابه، أمور عظام، وخطوب جسام، ومعان عليهم أن يتيقظوا لها، ويميلوا بقلوبهم وبصائرهم اليها، وهم عنها غافلون، فاقتضت الحال أن ينادوا بالآكد الأبلغ» [291]
ويذكر الزمخشرى أن نداء الجماد في القرآن مظهر من مظاهر استعلاء الربوبية وانقياد الأشياء لها، ولهذا يعمد القرآن إلى هذا الأسلوب، وله عنه مندوحة، ليبث في النفوس هيبة الربوية، ويطبع فيها الشعور بعزتها وكبريائها. يقول في قوله تعالى: {«وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُدَ}
(291) الكشاف ج 1ص 68.