فهرس الكتاب

الصفحة 383 من 744

يلاوصهم ويداريهم ويسلك معهم طريق الانصاف في القول ويأتيهم من وجهة المناصحة فجاء بما علم أنه أقرب إلى تسليمهم لقوله، وأدخل في تصديقهم له، وقبولهم منه، فقال: { «وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ» } ، وهو كلام المنصف في مقاله غير المشتط فيه، ليسمعوا منه، ولا يردوا عليه، وذلك أنه حين فرضه صادقا فقد أثبت أنه صادق في جميع ما يعد، ولكنه أردفه { «يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ» } ليهضمه بعض حقه في ظاهر الكلام، فيريهم أنه ليس بكلام من أعطاه حقه وافيا فضلا أن يتعصب له، أو يرمى بالحصا من ورائه، وتقديم الكاذب على الصادق أيضا من هذا القبيل، وكذلك قوله: { «إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ» } [312] فان قلت: فعن أبى عبيدة أنه فسر البعض بالكل وأنشد بيت لبيد:

ترّاك أمكنة إذا لم أرضها ... أو يرتبط بعض النفوس حمامها [313]

قلت: ان صحت الرواية عنه قد حق فيه قول المازنى في مسألة العلقى: كان أجفى من أن يفقه ما أقول له» [314]

وهذه الطريقة توحى بمقصود المتكلم مما هو مخالف لظاهرة العبارة فيها، وقد أشار الزمخشرى إلى أن الايحاء بمقصود المتكلم أفعل في نفس السامع وان كان معاندا، وأجلب له وان كان مشتطّا في اعراضه، يقول في قوله تعالى: { «وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلى هُدىً أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ» } [315] : «وهذا من الكلام المنصف الذى كل كل من سمعه من موال أو مناف قال لمن خوطب به: قد أنصفك صاحبك، وفى درجه بعد تقدمة ما قدم من التقرير البليغ دلالة غير خفية على من هو من الفريقين على الهدى، ومن هو في الضلال المبين، ولكن التعريض والتورية أفضى بالمجادل إلى الغرض، وأهجم به على الغلبة، مع قلة شغب الخصم، وفل شوكته بالهوينا، ونحوه قول الرجل لصاحبه: علم الله الصادق منى

(312) غافر: 28

(313) الكشاف ج 3ص 561

(314) الكشاف ج 4ص 137

(315) سبأ: 24

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت