ثم ان النظر إلى العلاقة الحسية وحدها بين الطرفين ليس أمرا قادحا في الدراسة البلاغية كما يشيع في كتب كثيرة لأن هذه العلاقة الحسية قد تكون هى مقصد التشبيه، وجودة الشاعر في مثل هذا تكون بمقدار براعته في بيان مراده، ولهذا نجد هذه العلاقة وحدها في شعر جيد في عصور العربية المختلفة وعند فحولها الأقدمين من أمثال امرئ القيس وزهير وذى الرمة، كما نجدها في كلام الله وكلام رسوله صلّى الله عليه وسلم.
ولعل دراسة الزمخشرى للصور القرآنية وهى لا تعتمد في تكوينها وتصويرها غالبا الا على هذا الأساس النفسى، لعل دراسته هذه هى التى حامت به حول هذا الأساس المعنوى المهم.
يقول في قوله تعالى: { «إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا» } [25] : «ان التمثيل انما يصار اليه لما فيه من كشف المعنى ورفع الحجاب عن الغرض المطلوب، وادناء المتوهم من المشاهد، فان كان المتمثل له عظيما كان المتمثل به مثله، وان كان حقيرا كان المتمثل به كذلك، فليس العظم والحقارة في المضروب به المثل اذن الا أمرا تستدعيه حال المتمثل به، وتستجره إلى نفسها، فيعمل الضارب للمثل على حسب تلك القضية، ألا ترى الحق لما كان واضحا جليا أبلج كيف تمثل له بالضياء والنور، والى الباطل لما كان بضد صفته كيف تمثل له بالظلمة، ولما كانت حال الآلهة التى جعلها الكفار أندادا لله تعالى لا حال أحقر منها وأقل، ولذلك جعل بيت العنكبوت مثلها في الضعف والوهن، وجعلت أقل من الذباب، وأخس قدرا، وضربت لها البعوضة فالذى دونها مثلا، لم يستنكر ولم يستبدع، ولم يقل للمتمثل: استحى من تمثيلها بالبعوضة، لأنه مصيب في تمثيله، محق في قوله، سائق للمثل في قضية مضربه، محتذ على مثال ما يحتكمه ويستدعيه» [26]
فالعظم والحقارة في المشبه، تستدعى لنفسها ما يلائمها من مشبه به، والضارب للمثل يعمل على حسب تلك القضية، فيربط بين الطرفين
(25) البقرة: 26
(26) الكشاف ج 1ص 83