وكلام الزمخشرى في الترشيح مشعر بأن هذا الفن من أبلغ الفنون البلاغية ان لم يكن أبلغها، وأنه حين يقع موقعه لا نجد كلاما أحسن منه، ولا أكثر ماء ورونقا، وأنه من الصنعة البديعية التى يبلغ المجاز معها الذروة العليا، يقول في قوله تعالى: { «أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ» } [95] :
«فان قلت: هب أن شراء الضلالة بالهدى وقع مجازا في معنى الاستبدال، فما معنى ذكر الربح والتجارة كأن ثمة مبايعة على الحقيقة؟ قلت: هذا من الصنعة البديعية التى تبلغ بالمجاز الذروة العليا، وهو أن تساق كلمة مساق المجاز، ثم تقفى بأشكال لها وأخوات، إذا تلاحقن لم تر كلاما أحسن منه ديباجة، وأكثر ماء ورونقا، وهو المجاز المرشح، وذلك نحو قول العرب في البليد: كأن أذنى قلبه خطل، فقد جعلوه كالحمار، مشاهدة معاينة ونحو:
ولما رأيت النّسر عزّ ابن داية ... وعشّش في وكريه جاش له صدرى
لما شبه الشيب بالنسر والشعر الفاحم بالغراب أتبعه ذكر التعشيش والوكر، ونحو قول بعض فتاكهم في أمه:
فما أمّ الرّدين وإن أدلّت ... بعالمة بأخلاق الكرام
إذا الشيطان قصّع في قفاها ... تنفقناه بالحبل التّوام
أى إذا دخل الشيطان في قفاها استخرجناه من نافقائه بالحبل المثنى المحكم، إذا مردت وأساءت الخلق اجتهدنا في ازالة غضبها، واماطة ما يسوء من خلقها، استعار التقصيع أولا ثم ضم اليه التنفق، ثم الحبل التوام، فكذلك لما ذكر سبحانه الشراء أتبعه ما يشاكله، ويواخيه وما يكمل ويتم بانضمامه اليه تمثيلا لخسارهم وتصويرا لحقيقته» [96] .
(95) البقرة: 16
(96) الكشاف ج 1ص 5453