ولعله يقصد بقوله: رأيتهم قد خلطوه بالاستعارة وعدوه معدها، قدامة ابن جعفر وابن قتيبة، فقد قدمت في الفصل الأول من هذا الباب أنهما درسا شواهد عبد القاهر في هذا النوع من الاستعارة.
والمهم أن نذكر هنا أن الزمخشرى قد ذكر هذه الاستعارة، ونبه إلى أنها تدور بين أسماء هذه الأجناس، ولم يضف اليها شيئا، لأن صورها تصرف لفظى ليس وراءه اعتبارات بلاغية يراعيها المتكلم، فهى أشبه بالعمل اللغوى الخالى من الاعتبارات اللطيفة.
وكانت اشاراته اليها اشارات مجملة، من ذلك قوله في قوله تعالى: { «فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى أَرْبَعٍ» } [105] : «فان قلت: لم سمى الزحف على البطن مشيا؟ قلت: على سبيل الاستعارة، كما قالوا في الأمر المستمر: قد مشى هذا الأمر، ونحوه استعارة الشفة مكان الجحفلة، والمشفر مكان الشفة، ونحو ذلك» [106] .
ويقول في قوله تعالى: { «وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا» } [107] بعد ما ذكر تفسير ابن عباس لها بالخيل، وانكار على رضى الله عنه عليه هذا التفسير، وقوله في تفسيرها: انها الابل من عرفة إلى المزدلفة، ومن المزدلفة إلى منى، يقول بعد هذا: «فان صحت الرواية فقد استعير الضبح للابل كما استعير المشافر والحافر للانسان والشفتان للمهر» .
وهذان النصان المذكوران ليس فيهما تصريح بأن هذه استعارة لفظية، أو استعارة غير مفيدة، ولكن تنظير الزمخشرى باستعارة الشفة مكان الجحفلة والمشفر مكان الشفة والحافر مكان القدم وقوله في الأول:
ونحو ذلك، وفى الثانى: وما أشبه ذلك، ولم نعهده يذكر مثل هذه الألفاظ في مواطن الاستعارة التى تعرض لها وهى كثيرة جدا. كل
(105) النور: 45
(106) الكشاف ج 3ص 195.
(107) العاديات: 1