فذكر بعد ما أنث في قوله { «وَاحِدَةٍ» } ، { «مِنْهَا زَوْجَهَا» } ذهابا إلى معنى النفس ليبين أن المراد بها آدم ولأن الذكر هو الذى يسكن إلى الأنثى ويتغشاها فكان التذكير أحسن طبقا للمعنى» [72] .
وقد يذكر الطباق بمعنى لا يبعد كثيرا عن معنى اللف الذى سبق ذكره، يقول في قوله تعالى: { «كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ» } [73] : «فان قلت: ما معنى «ثم» ؟ قلت: ليس معناها التراخى في الوقت ولكن في الحال كما تقول: هى محكمة أحسن الاحكام، مفصلة أحسن التفصيل، وفلان كريم الأصل، ثم كريم الفعل، و { «كِتَابٌ» } خبر مبتدأ محذوف، و { «أُحْكِمَتْ» } صفة له، وقوله { «مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ» } صفة ثانية، ويجوز أن يكون خبرا بعد خبر، وأن يكون صلة ل { «أُحْكِمَتْ» } و { «فُصِّلَتْ» } ، أى من عنده احكامها، وتفصيلها، وفيه طباق حسن لأن المعنى أحكمها حكيم وفصلها أى بينها وشرحها خبير عالم بكيفيات الأمور» [74] .
والفرق بين هذه الآية وآية: { «لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ» } [75] التى ذكر أنها من اللف أن الأوصاف هناك لموصوف واحد هو المولى عز وجل، فهو لا تدركه الأبصار وهو اللطيف، وهو الذى يدرك الأبصار وهو الخبير، وهنا الاحكام والتفصيل وصفان للكتاب، والحكيم والخبير وصفان للمولى عز وجل، وكان الطباق لأن الكتاب المحكم المفصل من عند حكيم خبير، وقد يذكر الطباق بمعنى مراعاة تلاؤم الألفاظ ووقوعها في مواقعها، وقد يبدو من مظاهر التعبير ما يخالف هذا الأصل أى تبدو الكلمات وكأنها متباعدة، وحينئذ يحاول الزمخشرى أن يكشف تطابقها المعنوى مشيرا إلى أن المطابيع هم الذين يراعون طباق المعانى.
يقول في قوله تعالى: { «وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ» } [76] : «فان قلت: هلا قيل: على قلوبنا أكنة، كما قيل:
(72) الكشاف ج 2ص 145
(73) هود: 1
(74) الكشاف ج 2ص 296
(75) الأنعام: 103
(76) فصلت: 5