فهرس الكتاب

الصفحة 593 من 744

وأشرت إلى أن التأكيد في طريقة الاستثناء ليس خاصا بتأكيد المدح ولا بتأكيد الذم.

ولما كنت أتكلم هنا عن ألوان البديع رأيت من الحسن أن أذكر شيئا من كلامه في هذه الطريقة ليتضح لنا مقدار ما عالجه من فنون البديع، وكيف كان يعالجها، يقول الزمخشرى في قوله تعالى:

{ «لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إِلَّا سَلَامًا» } [89] : «أى ان كان تسليم بعضهم على بعض أو تسليم الملائكة عليهم لغوا فلا يسمعون لغوا الا ذلك، فهو من وادى قوله:

ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم ... بهن فلول من قراع الكتائب» [90] .

ويقول في قوله تعالى: { «قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ» } [91] : «فان قلت: لم رفع اسم الله والله يتعالى أن يكون ممن في السموات والأرض؟

قلت: جاء على لغة بنى تميم حيث يقولون: ما في الدار أحد الا حمار، يريدون ما فيها الا حمار، كأن أحدا لم يذكر، ومنه قوله:

عشية ما تغنى الرّماح مكانها ... ولا النّبل إلا المشرفىّ المصمّم

وقولهم: ما أتاني زيد الا عمرو، وما أعانه اخوانكم الا اخوانه.

فان قلت: ما الداعى إلى اختيار المذهب التميمى على الحجازى؟

قلت: دعت اليه نكتة سرية حيث أخرج المستثنى مخرج قوله: الا اليعافير، بعد قوله: ليس بها أنيس، ليئول المعنى إلى قولك: ان كان الله ممن في السموات والأرض فهم يعلمون الغيب، يعنى أن علمهم الغيب في استحالته كاستحالة أن يكون الله منهم، كما أن معنى ما في البيت: ان كانت اليعافير أنيسا ففيها أنيس بتا للقول بخلوها عن الأنيس» [92] .

(89) مريم: 62

(90) الكشاف ج 3ص 20

(91) النمل: 65

(92) الكشاف ج 3ص 297وما بعدها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت