فى الأبواب السابقة يستطيع أن يدرك مقامات الذكر ومقامات الحذف كما يقول
ثم ان الأمثلة التى ضربها لا يخلو أكثرها من أثر الكشاف، ونذكر هنا منها قوله: «ومن الايجاز قوله عز قائلا: {«قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ» } [51] أى بما لا ثبوت له ولا علم الله متعلق به، نفيا للملزوم، وهو المنبأ به بنفى لازمه، وهو وجوب كونه معلوما للعالم الذات لو كان له ثبوت بأى اعتبار كان، وقوله: { «إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ» } [52] أصله: لن يتوبوا فلن يكون قبول توبة، فأوثر الايجاز ذهابا إلى انتفاء الملزوم بانتفاء اللازم وهو قبول التوبة الواجب في حكمته تعالى وتقدس، وقوله: { «بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا» } [53] أى شركاء لا ثبوت لها أصلا، ولا أنزل الله باشراكها حجة، أى تلك وانزال الحجة كلاهما منتف، في أسلوب قوله: «على لا حب لا يهتدى بمناره» ، أى لا منار ولا اهتداء به، وقوله: «ولا ترى الضب بها ينجحر» ، أى لا ضب ولا انجحار نفيا للأصل والفرع. ومنه: { «وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ» } [54] ، اذ المراد لا ذلك ولا علمك به، أى كلاهما غير ثابت، وكذا { «مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ» } [55] أى لا شفاعة ولا طاعة» (المفتاح ص 152) .
وقد بينا هذا في دراستنا للنفى في بحث الكشاف [56] .
ويقول في صور الأطناب: «ومما يعد من الاطناب وهو في موقعه قول الخضر لموسى عليه السلام في الكرة الثانية: {«أَلَمْ أَقُلْ لَكَ» } [57]
بزيادة { «لَكَ» } لاقتضاء المقام مزيد تقرير لما قد كان قدم له من { «إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا» } وكذا قول موسى عليه السلام: {«رَبِّ}
(51) يونس: 18
(52) آل عمران: 90
(53) آل عمران: 151
(54) لقمان: 15
(55) غافر: 18
(56) ينظر هذا البحث فصل الجملة.
(57) الكهف: 75