فهرس الكتاب

الصفحة 613 من 744

تعالى عن ذلك علوا كبيرا، وانما فعل ذلك لغرض الاحسان وهو التكليف ليتمكن من اكتساب ما لا يحسن فعله في حقه ابتداء من التعظيم العظيم، مع الدوام في ضمن التمتيع من أنواع المشتهيات بما لا عين رأت. ولا أذن سمعت، ولا خطر على بال أحد، مخلصة أن يشوبها منغص ما، فيكتسبه ان شاء لا بالقسر، ولذلك وضع زمام الاختيار في يده، ممكنا اياه من فعل الطاعة والمعصية، مريدا منه أن يختار ما يثمر له تلك السعادة الأبدية، مزيحا في ذلك جميع علله، فشبه حال المكلف الممكن من فعل الطاعة والمعصية مع الارادة منه أن يطيع باختيره بحال المرتجى المخير بين أن يفعل وأن لا يفعل، ثم تستعير لجانب المشبه:

لعل» [60] .

وهذا شرح وتوضيح لقول الزمخشرى في هذه الآية انها «واقعة موقع المجاز لا الحقيقة، لأن الله عز وجل خلق عباده ليتعبدهم بالتكليف، وركب فيهم العقول والشهوات، وأزاح العلة في أقدارهم وتمكينهم، وهداهم النجدين، ووضع في أيديهم زمام الاختيار، وأراد منهم الخير والتقوى، فهم في صورة المرجو منهم أن يتقوا، ليترجح أمرهم وهم مختارون بين الطاعة والعصيان. كما ترجحت حال المرتجى بين أن يفعل وألا يفعل» [61] .

وقد ذكر السكاكى مع هذه الآية قوله تعالى: { «فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ» } [62] وكلام الزمخشرى فيها مشهور، ثم قال: هذا تلخيص كلام الأصحاب، ولا أعرف أحدا من البلاغيين سبقه بدراسة هذا الموضوع بينه غير الزمخشرى.

واذا كنت قد أشرت إلى أخذه الكثير من الكشاف فيجدر أن أقول ان السكاكى كان ذا عقل قوى، يستوعب ما يقرأ، فاذا كتب ما استوعب كانت كتابته مصبوغة بصبغة عقله، حتى كأنها من بناته، لأنه يكتب

(60) المفتاح ص 203

(61) الكشاف ج 1ص 70

(62) القصص: 8

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت