ويقول الزمخشرى في هذه الآية: «فان قلت: ما معنى الافصاح باسمه مع ايقاعه مبتدأ في قوله {«ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ» } بعد اضماره في قوله { «كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ» } وكان القياس أن يقال: كيف بدأ الله الخلق ثم ينشئ النشأة الآخرة؟ قلت: الكلام معهم كان واقعا في الاعادة وفيها كانت تصطك الركب، فلما قررهم في الابداء بأنه من الله احتج عليهم بأن الاعادة انشاء مثل الابداء، فاذا كان الله الذى لا يعجزه شىء هو الذى لم يعجزه الابداء فهو الذى وجب ألا تعجزه الاعادة» [44] .
ويقول ابن الأثير: «وكذلك جاء قوله تعالى: {«وَإِذَا تُتْلى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالُوا مَا هَذَا إِلَّا رَجُلٌ يُرِيدُ أَنْ يَصُدَّكُمْ عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُكُمْ وَقَالُوا مَا هَذَا إِلَّا إِفْكٌ مُفْتَرىً، وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ» } [45] ، فانه انما قال { «وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا» }
ولم يقل: وقالوا، كالذى قبله للدلالة على صدور ذلك عن انكار عظيم وغضب شديد وتعجب من كفرهم بليغ لا سيما وقد انضاف اليه قوله:
{ «وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ» } وما فيه من الإشارة إلى القائلين والمقول فيه وما فى { «لَمَّا» } من المبادهة كأنه قال: وقال أولئك الكفرة المتمردون بجراءتهم على الله ومكابرتهم لمثل ذلك الحق المبين قبل أن يتدبروه: { «إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ» } [46] .
ويقول الزمخشرى: «وفى قوله: {«وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا» } وفى أن لم يقل: وقالوا، وفى قوله { «لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ» } وما في اللامين من الإشارة إلى القائلين والمقول فيه، وفى { «لَمَّا» } من المبادهة بالكفر دليل على صدور الكلام عن انكار عظيم وغضب شديد، وتعجيب من أمرهم بليغ، كأنه قال: وقال أولئك الكفرة المتمردون بجراءتهم على الله ومكابرتهم لمثل ذلك الحق النير قبل أن يذوقوه: { «إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ» } [47] .
وهذه التحليلات التى نقلها ابن الأثير في هذا النص لم تكن
(44) الكشاف ج 3ص 353
(45) سبأ: 43
(46) المثل السائر ج 2ص 201
(47) الكشاف ج 1ص 464