وفي رمضان وقعت حادثة الشفاء وهي أول مواجهة مسلحة بين الشباب من مجاهدين ومتعاطفين معهم وبين كلاب المباحث وأزال الله بها حاجز الخوف لدى الناس، وكان الشباب يستدعون إلى المباحث بالهاتف فيذهبون إليها باختيارهم ولا يفكرون بالمقاومة أو التخفي إلا من رحم الله، فجاءت هذه الحادثة محفزًا لهم على حمل السلاح والدفع عن دينهم وأنفسهم.
بعد أن ألقى أبو ناصر إحدى كلماته اجتمع إليه بعض المتعاطفين فقرر أن يخرج معهم إلى البر على أحد الطرق ولكن ناصر السياري رحمه الله أبى على أبي ناصر وعرض عليه استراحة لأحد أقاربه يملك مفاتيحها فذهب الشباب إليها وكان أبو أيوب برفقة أبي ناصر وحضر بعض طلاب الحلقات ودعي لتلك الجلسة أبو عمر السحيم فك الله أسره وكان لا يعرف الاستراحة فوصفها أحد الإخوة بالجوال ويبدو أن جواله كان مراقبًا مراقبة شديدة وهذا ما أدى إلى معرفة المباحث بمكان الاستراحة ثم حصارها.
بعد أن اجتمع الشباب وقاموا إلى العشاء عمد أحد الحضور إلى الأنوار الكاشفة في الاستراحة فأضاءها وبعد العَشاء قام نفس الشخص بإطفائها فكان هذا سببًا للشك في ذلك الشخص وأن ما قام به إنما هو علامة لكلاب المباحث الذين ربما كانوا قريبين من الموقع، وبعد ذلك بزمن يسير دخل أحد الحضور مسرعًا وهو يقول: المباحث، المباحث .. وإذا كلاب المباحث قد وجدوا باب الاستراحة مفتوحًا فاقتحموها وبدؤوا بالانتشار فيها وكان رأسهم الكبير يأمر أفراده بجمع الشباب على دكة كانت هناك، وفي الحال بدأ أبو عمر وأبو ناصر يحثان الشباب على الخروج من الاستراحة وعدم الاستسلام فسكنت نفوس الشباب وحدثت مواقف طيبة فهذا أحد الشباب يشبع أحد كلاب المباحث ضربًا، وآخر يحصر أحدهم في زاوية من الزوايا ويطعنه عدة طعنات، أما أبو أيوب رحمه الله فقد أخرج مسدسه"الماكاروف"من جيبه وسحب الأقسام واتجه إلى رجل المباحث الذي كان واقفًا بباب الاستراحة فوضع المسدس على رأسه وأمره بفتح الباب ثم رفع سلاحه قليلًا وأطلق طلقة في الهواء كانت قاصمة الظهر لرجال المباحث فلاذوا بالفرار عندما سمعوا صوتها ليتحصنوا بغرف الاستراحة وكانت الغرف خلف ظهور الشباب وظهور الشباب مكشوفة للمباحث ولكن الله قذف في قلوبهم الرعب فما رفعوا أسلحتهم ولا أطلقوا طلقة، وبفرار المباحث انكشف طريق الخروج أمام الشباب فخرج أبو ناصر وبدأ الرماية على الدوريات الموجودة في الخارج ولحقه أبو أيوب وأحد الشباب وقاموا بالرماية أيضًا إلى أن كادت ذخيرتهم تنفد فلم يبق مع أبي ناصر وأبي أيوب ومرافقهم إلا طلقة وطلقتان وما يقاربهما فركبوا السيارة وانطلقوا بها بعد أن طووا اللوحات للتمويه ولما علموا أن المباحث قد أطلقوا النار على أبي عمر السحيم لما رأوه أعزل ثم أسروه تشاور الثلاثة في الرجوع إليه ومحاولة تخليصه ولكن استقر رأيهم على أن ذلك قد يسبب أسرهم هم أيضًا فذخيرتهم لا تكفي فاتصل أبو أيوب بمجموعة أخرى من الشباب وطلب منهم الذهاب للاستراحة بأسلحتهم فذهبت تلك المجموعة ومشطوا منطقة الاستراحة فوجدوا كلاب المباحث قد غادروا.
بعد حادثة الشفاء بيوم تقريبًا جمع أبو أيوب بعض الشباب ممن شهد حادثة الشفاء ومن غيرهم فرأى كثيرًا منهم تنقصه المعرفة العسكرية والدربة على السلاح والتصرف السليم وقت المواجهة فخرج بهم إلى أحد الأودية وقام بتدريبهم إلى العشر الأواخر من رمضان حتى اطمأن إلى أن حاجز الخوف من القتال زال من أمامهم.
وبعد تلك الدورة العسكرية القصيرة مكثت أنا وأبو أيوب وأبو ناصر في إحدى الاستراحات ثم خرج أبو ناصر لقضاء حاجة خاصة به وكان أبو أيوب كثيرًا ما يخرج مع الفجر ويأخذ معه الشاي والقهوة وكان يتكتم على وجهته ولكني علمت فيما بعد أنه كان يذهب للترصد على بعض المواقع وكان فيما يبدو يصطحب معه شخصًا آخر لعله أبو هاجر رحمه الله.
عرف أبو أيوب رحمه الله بقلب جريء وجنان ثابت وشجاعة فطرية حباه الله بها وميّزته في جاهليته وبعد استقامته، ولو عدت بالذاكرة إلى أحداث استراحة الشفاء التي سبق سردها وجدته أول من أخرج سلاحه وأول من أطلق النار، ولما أسر أبو عمر فك الله أسره أراد أبو أيوب ومن معه