فهرس الكتاب

الصفحة 1062 من 1099

ولكن الإخوة بفضل الله سبحانه ثم بفضل هذين الأسدين تمكنا من الإثخان في قوات العدو وأرادوا الخروج من المنزل، فأتوا لكي يحملوا أخاهم عامرًا فقال لهم: اتركوني واذهبوا ولكنهم أصروا على حمله رحمه الله ..

وبينما هم في الطريق كان يردد وبصوتٍ مؤثر قول الله تعالى: (( الذين آمنوا يقاتلون في سبيل الله والذين كفروا يقاتلون في سبيل الطاغوت فقاتلوا أولياء الشيطان إن كيد الشيطان كان ضعيفا ) )وكان هو الذي يعرف طريق المنزل الذي سيتجه إليه الإخوة، فبدأ بوصف الطريق لهم ودماؤه تنزف بغزارة، وعندما نهاه الإخوة عن الكلام - لئلا يستهلك قوته - قال لهم: دعوني أصف لكم، فلو قتلت تنجون أنتم!! رحمه الله ورفع درجته، أي نفسٍ هذه؟!، حتى في أحلك المواقف والظروف لا ينسى إخوته ..

وصل الإخوة إلى مأمنهم وبدأت معاناته رحمه الله مع الإصابة، فقد كان لا يأكل ولا يشرب إلا قليلًا ويكتفي بالمغذيات، ولكنه رحمه الله على شدة آلامه كان من خيرة الصابرين المحتسبين - نحسبه والله حسيبه - ولقد رأى منه الإخوة في مرضه هذا عجبًا، فقد كان لا يئن ولا يظهر التوجع لإخوته، ويغتم إذا أحس أنهم يتألمون لمصابه، وقد أبى بشدة أن يسلم نفسه للعلاج، وقال بالحرف الواحد: ..."والله لو أنني أردت الدنيا لرجعت إلى والدي , ووالدي يعملُ في أحد المستشفيات في الرياض وأستطيع هناك أن أتعالج بأفضل وسيلة، ولكن والله لا أسلم نفسي للطواغيت، ولأن أموت بين إخواني أحب إلي ألف مرة من أن أسلم نفسي للطواغيت الكَفَرَة"لا إله إلا الله، من يقدر على مثل هذه؟؟! ..

كان رحمه الله تصدر عنه كلمات طالما تعجب الإخوة منها كيف تصدر من هذا الرجل وهو بهذه الحالة .. وكان يحس بالألم الكبير لعجزه عن النهوض ومقارعة أعداء الله فكأنه أسدٌ جريح ثناه الدهرُ عما يرومه، وقد قال في ذلك:"والله لئن أحياني الله ليرين ما أصنع"ونحسبه والله حسيبه ممن يصدق كلامَه فعالُه ..

وكان دائم الحديث عن العائلة المباركة، ابتداءً بأمه وأبيه وأخيه زيدان، فقد كان يتحدث دائمًا عن أمه الصالحة ويثني عليها وعلى مواقفها الرائعة، وكان بينه وبين أخيه زيدان علاقةٌ حميمة جدًا، كان يقول:"كنا نجلس بعض المجالس العامة، ونظل نتحدث مع بعضنا ونتناقش وننسى بقية الجُلاّس، فيظن الناس أننا صاحبين تقابلنا بعد طول فراق، ثم يتفاجئون بخروجنا سويًا!!"ولذلك كان يُحدث إخوانه أثناء فترة إصابته بقصة استشهاد زيدان في شمال أفغانستان وهو يبكي، فلقد سقط على المجموعة التي كان أخوه فيها صاروخ كروز، وكان زيدان قائم يصلي بالإخوة فقتل رحمه الله، وكان يشتد بكاؤه إذا تذكّر أخاه ويتمثل بأبيات متمم بن نويرة في رثاء أخيه مالك:

فلما تفرقنا كأني ومالكًا لطول اجتماعٍ لم نبت ليلة معا

وكانت التراجعات أيام مرضه، وقد أتى وتحامل على نفسه وجلس مع الإخوة وهم يشاهدون التراجعات، وكان منه في تلك اللحظات موقف عجيب، فقد كان يوصي الإخوة بالثبات ويذكرهم بأن الثبات من الله فتعجب الإخوة منه فرحمه الله، وقال أحدهم: لقد أحيا قلوبنا، وكان يقول: هل هم صحابة؟ الصحابة بعضهم ارتدوا!! ومن شدة الألم لم يستطع المواصلة فرجع إلى سريره ..

وكان شأنه مع الصلاة عجيبًا، فقد اشتد المرض عليه رحمه الله، فبدأ يغيب عن وعيه وتفوت عليه بعض الصلوات، ولكنه كان سرعان ما يفيق من غفوته مذعورًا ويقول: الصلاة الصلاة، هل فاتتني الصلاة؟ ثم يقوم بالصلاة ويعود لغفوته، ثم يصحو منها وينادي بالصلاة ظانًا أنه لم يصل، فطمأنه الإخوة وعملوا له جدولًا للصلوات الفائتة فارتاح كثيرًا، وكلما استيقظ من غيبوبته يقوم بقضاء ما عليه من صلوات ولم يمت رحمه الله وعليه فرضٌ واحد فقد أداها جميعًا رحمه الله ..

وكان رحمه الله يدعوا كثيرًا حال مرضه، وكلما دخل عليه الإخوة وجدوه رافعًا بصره نحو السماء يناجي ربه، وكان في آخر أيامه يوصي الإخوة بالثبات، ويوصيهم بمعاداة الطواغيت والبراءة منهم، وكان يسبهم ويشتمهم، ويوصي إخوانه بالتعاون والتكاتف. فلله دره، تخيل أن ترى أخاك

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت