فهرس الكتاب

الصفحة 1063 من 1099

طريحًا على فراش المرض يكاد يلاقي ربه ومع ذلك يخصك بنصائحٍ غالية! لاشك أنها ستكون محفورةً في سويداء القلب لا تبرحه، رحمك الله يا عامر ..

ما زالَ صمتُكَ غَارقًا في دَمعتِي؛ مَازالَ صوتُكَ حَاضرًا في يَقضتي؛ مَا زلتَ أَنتَ بِرَغمِ مَوتِكَ لَم تَزل؛ بَطلَ النّهايةِ من بدايةِ قِصّتي ..

قال عنه الشيخ عبد الله الرشود حفظه الله: كان كلما زرته في مرضه رأيت منه عجبًا في تحمل الألم والصبر على الأذى، وكان كلما اشتد عليه الألم أوصى الإخوةَ بالثبات على الطريق وعدم النكوصِ عنه، وكان يقول:"إنني أتمنى الشفاء من الله كي أثخن في الطواغيت وأواصل درب الجهاد"..

اقترب الشهر الثاني من نهايته، والنفس الكبيرة ما زالت تضرب أروع الأمثلة في الثبات الصمود والفداء، ولقد جمع إخوته رحمه الله قبل استشهاده بيومين وجلسوا بجانبه، فبدأ يشير على كل واحدٍ منهم ويقول:"يا فلان إني أحبك في الله حبًا خالطَ بشاشة قلبي"فعلَ ذلك مع كل واحدٍ منهم على حده، ثم ألقى عليهم كلمةً مؤثرةً بليغة تأثر منها الإخوة كثيرًا، وكان فصيحًا جيّد الاستحضار للآيات والأحاديث وأبيات الشعر، ولكنه في تلك الكلمة كان محلقًا في قلوب الإخوة الذين استمعوا له، وأوصاهم وصايا غالياتٍ مازال الإخوة يرددونها ويتذكرونها ..

وفي يوم الخميس - قبل مقتله بيوم كان يدعو بحرارة ويبكي بكاءً شديدًا ويقول:"اللهم إني أحببت لقاءك فأحبب لقاءي"، وكان يتكلم عن بدر الشبانات - الأخ الأكبر للشهيد عبد المحسن الشبانات الذي استشهد في يوم عيد الفطر 1424هـ في استراحة حي السلي، وقد استشهد بدر رحمه الله في أفغانستان وكان هو وعبد المحسن من أصدقاء عامر وزيدان، وكان يحب أخاه زيدان كثيرًا ويدعو الله أن يجمعه به وفي يوم الخميس - قبل مقتله بليله - وفي الثلث الأخير من الليل قال لأحد الإخوة: ادع معي، فكان يدعو ويقول:"اللهم ارزقنا شهادة في سبيلك مقبلين غير مدبرين على أحب هيئة إليك، تحيي بها القلوب الغافلة"ويبكي ويدعو نسأل الله أن يتقبله ويتقبل منه ..

وقبل موته بثلاث ساعات أتى إليه أحد الإخوة وتحدث معه عن مساعد السبيعي وعبد المحسن الشبانات فتمنى أن يلحق بهم ..

وعندما حانت الساعة العاشرة من صباح يوم الجمعة أتى إليه الإخوة لكي يغيروا لجرحه فلما دخلوا عليه تفاجئوا بإشراقةٍ رائعةٍ لوجهه الطاهر وتفاجئوا أيضًا بأن رائحة الجرح قد انقطعت تمامًا!!، وكانوا قد اعتادوا أن يرفعوا يده فوق وساده لتغيير الجرح، فلما أرادوا أن يرفعوا يده حصلت له كرامةٌ عظيمة ذكرتنا بما حصل لسعد بن معاذ رضي الله عنه، فقد شخص ببصره إلى السماء وأخذ يقلب بصره وكأنه يشاهد زوارًا غرباء، ثم أخذ ينزل ببصره رويدًا رويدًا ويلتفت يمنةً ويسرة فلما رفع الإخوة يده رفعها عاليًا ولم يضعها على الوسادة وبدأ يحرك سبابته بالشهادة وهو طيب النفس مطمئن وحالته أبعد ما تكون عن حالة شخصٍ يحتضر.

سبحان الله لقد تأملت حديث النبي صلى الله عليه وسلم:"إن العبد المؤمن إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال من الآخرة نزل إليه ملائكة من السماء بيض الوجوه كأن وجوههم الشمس معهم كفن من أكفان الجنة وحنوط من حنوط الجنة حتى يجلسوا منه مد البصر ثم يجيء ملك الموت عليه السلام حتى يجلس عند رأسه فيقول أيتها النفس الطيبة اخرجي إلى مغفرة من الله ورضوان قال فتخرج تسيل كما تسيل القطرة من في السقاء فيأخذها فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين حتى يأخذوها فيجعلوها في ذلك الكفن وفي ذلك الحنوط ويخرج منها كأطيب نفحة مسك وجدت على وجه الأرض قال فيصعدون بها فلا يمرون يعني بها على ملأ من الملائكة إلا قالوا ما هذا الروح الطيب فيقولون فلان ابن فلان بأحسن أسمائه التي كانوا يسمونه بها في الدنيا ..."الحديث، أخرجه أحمد ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت