ينزف منه نزفًا شديدًا وكانت الأرض كلها مغطاةٌ بالجليد فحاول الانحياز مع الأخوة إلا أن الإصابة أعاقته فسقط مغشيًا عليه فتدحرج من أعلى الجبل إلى مكان مستوي، فما شعر بنفسه إلا وهو ملقى على الأرض والجرح قد توقف نزيفه لأن يديه كانت على الجليد مباشرة مما جعل نزيف الدم يتوقف فتحامل على نفسه ونهض قائمًا وهو في إعياءٍ شديدٍٍ لا يعلمه إلاّ الله .. يقول لي رحمه الله: لقد خشيت وقتها أن أقع في الأسر فحاولت أن آخذ القنبلة اليدوية من الجعبة التي ألبسها كي أسحب الأمان ومتى ما قابلني الروس فجرتها فيهم، حاولت لكن لم أستطع لأن اليدين كانتا قد كُسِرَت ..
بعد ذلك استطاع أن يضع يديه داخل الجعبة ويسير باتجاه مواقع الأخوة وسار بحفظ الله وعنايته حتى وصل إليهم يقول أحد الأخوة الذين رأوه: لما وصل إلينا كنّا قد ظننا أنه قتل وتردد في مخابرات الشباب أن أبا مالك قتل لأن الرماية كانت شديدة على موقعه ولأننا فقدنا الاتصال به عبر المخابرة .. يقول فلما رآنا خالد سقط من الإعياء الذي كان به، فأخذه الأخوة و أسعفوه حتى رجع إليه وعيه ..
وبدأت المسيرة التي سارها المجاهدون بقيادة خطاب وشامل من شاتوي حتى المناطق السهلية داخل المدن لمدّة أربعين يومًا وكان أبو مالك معهم في تلك المسيرة وكان صهراه هما اللذين يحملانه لما كان فيه من الإرهاق والتعب الشديد - أحدهما استشهد والآخر من ضمن حرس أبو الوليد - ولما قاربت المسيرة على الانتهاء وضع أخونا خالد لدى إحدى الأسر التي آوته وأكرمته حيث قال لي بنفسه القصة كاملة قال:
لما وصل المجاهدون إلى إحدى القرى بحثوا عن بيت يضعونني فيه حتى أتماثل للشفاء فوجدوا بيتًا لشيخ كبير له زوجتان فوضعوني في بيت إحداهن ولم يخبر الأبناء أباهم الشيخ الكبير بالأمر فلما مرت الأيام لاحظ الأب أن غرفة منعزلة في منزله يرتادها أبناؤه بشكلٍ ملحوظ فسألهم عن الخبر فحاولوا إخفاء الأمر ولكن تحت إصراره علم أن في بيته أحد الجرحى العرب فانطلق إليّ ورحّب بي وسلم عليّ وبدأ يكبر ويقول هذا بيتك و أنتم الشجعان وأنتم الرجال حقًا .. ثم انصرف ونادى جميع أولاده واجتمع بهم في غرفة ثم لما انصرفوا جاء أحدهم إليّ وقال له هل تدري ماذا قال لنا أبي؟ قلت له: لا ..
قال: لقد قال لنا والله لو مسّ هذا المجاهد شيء من أذى أو مكروه أو علم به الروس فسوف أقتلكم واحدًا واحدًا!! فأنتم لستم رجالًا تخوضون الحرب فلا أقل من أن تحموا الرجال!! وأمرنا أن نحرسك طيلة الليل يقول خالد واصفًا الحال التي كان بها: لقد كانوا يحرسونني بأسلحتهم طيلة الليل في كل ليلة اثنين منهم، وعرضت عليهم أن أشاركهم فأبوا علي وقالوا لو علم أبونا بذلك لعاقبنا أشد العقوبة!! فابق أنت مستريحًا مطمئنًا ... وكانت تأتيني كل صباح أمهم العجوز التي تبلغ من العمر أكثر من سبعين سنة وتسألني ماذا تشتهي أن تأكل اليوم؟ وتلح علي في أن أطلب منها أي صنفٍ من الطعام وتقول لا بد أن تتغذى وتطعم كي تتحسن صحتك، ودائمًا تثني عليّ وعلى المجاهدين الذين يقارعون الأعداء وتقص عليّ يوم أن شردهم الشيوعيون إلى سيبيريا ومكثوا هناك ومات أبوها وأمها وأفراد أسرتها ودفنتهم ورجعت وحيدة وتقول لي إن هؤلاء الروس لا يعرفون إلا الدم وقتل الأبرياء وهتك الأعراض وليس لهم إلا القتل ثم تبكي بكاءً شديدًا ... فكنت أحزن لكلامها حزنًا بالغًا ..
وهكذا أمضى خالدٌ قرابة الشهر وهو على هذه الحالة حتى تحسنت صحته والتأم جرحه وخرج معززًا ومكرمًا من هذا المنزل الكريم أهله ..
طلب القائد خطاب من أخينا أبي مالك الخروج من الشيشان لأجل العلاج حيث لا يستطيع البقاء في الشيشان وهو مصاب بهذه الإصابة المعيقة عن الجهاد فحزن خالد حزنًا شديدًا وتوسل للخطاب بأن يبقيه في الشيشان وألاّ يحرمه من أجر الجهاد فتعهد خطاب لأخينا خالد بأن يأذن له بالدخول بعد أن يتم علاجه وشفاؤه ..
خرج خالد إلى أذربيجان ومن ثمّ إلى تركيا حيث كانت زوجته هنالك مع نساء المجاهدين العرب اللاتي خرجن مع بداية الحرب والتقى بأهله ورتب أمورهم كي ينطلق إلى أرض الجزيرة العربية، ويسر الله له ذلك كلّه بمنّه وكرمه سبحانه وتعالى ..