لبث حيدرة يقاتل الصليبيين مع إخوانه حتى حصل انسحاب قندهار فتوجه إلى شاهي كوت ولبث فيها فترة، حتى قام بعض المنافقين بنصب كمين لحيدرة واثنين من إخوته الأفغان فأصيبوا ونجا هو بأعجوبة، ثم تبايع حيدرة مع بعض إخوانه على العمل في أرض الجزيرة العربية ساعين لتطهيرها من المشركين، وكان من تلك العصابة البطل متعب المحيّاني، ووصل الأبطال إلى الجزيرة التي اشتاقت لمقدمهم أيما شوق، وكان رحمه الله أحد المؤسسين للعمل داخل الجزيرة، ومنذ اليوم الأول قام البطلان متعب وطلال بالعمل في إحدى مجموعات التجهيز وكان لهما الفضل بعد الله في إدخال قسم كبير من الأسلحة للإخوة، ثم انتقل طلال رحمه الله إلى معسكر البتّار للإشراف على التدريب العسكري، وقد استفاد منه الإخوة كثيرًا للخبرة التي كان يمتلكها، ثم تم تعيينه أميرًا لإحدى خلايا التنفيذ وكان الرجل المناسب في المكان المناسب، وقد قاتل رحمه الله قتال الأبطال في بعض المواجهات على أرض الجزيرة، منها مواجهة استراحة الأمانة فقد كان فيها يحمل البيكا ويصلي العدو بلهبها رحمه الله وتقبّله، نُشرت صورته ضمن قائمة الشرف المحتوية على صور 26 أخا مجاهدًا من خيرة شباب الأمة، وقد كان مطلوبًا قبلها بمدة حيث أن صورته كانت معممة على نقاط التفتيش قبل تفجيرات شرق الرياض المباركة لأنه كان من الأوائل في هذا الجهاد ..
كان رحمه الله معروفًا بالرؤى العجيبة التي كان دائمًا ما يراها، وكان يحدثني أنه دائمًا ما يرى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن ذلك أنه عندما كان في باكستان رأى أنه جالسٌ مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غرفة، وكان يشتكي لرسول الله - بأبي هو وأمي صلى الله عليه وسلم - تخاذلَ الأمةِ عن نُصْرَةِ دينِ الله، فقام عليه السلام وهو غاضب، ووقف أمام النافذة وأخذ يخاطب الله عز وجل ويقول: يا رب أمتي أمتي، ثم عاد عليه السلام وهو مبتسم وكأنه يبشّر حيدرة بالنصرة ..
كان رحمه الله محبوبًا من إخوانه المجاهدين، وقلّ من تجده لا يعرف طلال من المجاهدين في أفغانستان أو في الجزيرة، وقد رافقه في جهاده داخل جزيرة العرب البطل الشهيد نحسبه والله حسيبه متعب المحيّاني حتى قُتِل رحمه الله، ورافقه أيضًا البطل الشهيد نحسبه والله حسيبه مصطفى مباركي رحمه الله حتى ختم الله لهما بالقتل في أرض محمدٍ j ..
نعم، تلك كانت صفةُ أصحاب النبي j ، وهذه صفة إخواننا ممن سبقونا - نحسبهم والله حسيبهم -، وقد كان حيدرة عجيبٌ أسلوبه في التعامل مع إخوانه المجاهدين، فقد كان كثير الدعابة والمرح مع إخوانه، طيّب المعشر، دائمًا ما يسرُّ إخوانه بمزاحه اللطيف، ومن مواقفه الطريفة أنه عندما دخل على أبي حفص المصري (الكومندان) رحمه الله كان الأخ الذي ينادي على الأسماء ينادي: الأخ حيدرة اللبناني، فدخل طلال، ولكن أبا حفص لم يعره انتباهه، وظل ينتظر الأخ اللبناني!! فقال حيدرة: أنا حيدرة اللبناني، فدُهش أبو حفص وقال: أنت اللبناني!! ثم ضحك رحمه الله، لأن حيدره كان أسمر رحمه الله ..
ومن مواقفه كذلك أنه كان كثيرًا ما ينجيه الله عز وجل من بعض المواقف التي يتحقق الهلاك فيها لولا عناية الله، ومنها المواقف التي ذكرتها آنفًا وهذا الموقف: كان رحمه الله داخل أحد الخنادق، فأتت دبابة للعدو وقصفت الخندق مباشرة، وتهدم الخندق ودُمّر، فأتى الإخوة يصيحون: قُتِلَ حيدرة، قُتِلَ حيدرة، وإذا به يخرج وهو ينفض التراب عن رأسه ويضحك، لأجل هذا كان الإخوة يمازحونه ويقولون له: يبدو أنك ستعمَّرُ .... !! ولكن الأجل وافاه قبل ذلك رحمه الله ..
كان رحمه الله وتقبله يقوم الليل كثيرًا، وكانت حالته تتغير في موقفين: عند اشتداد القتال، وعند قيام الليل، عندما تشاهده في أحدهما لا تكاد تعرفه، فقد كان يبكي ويتضرّع ويرفع صوته بالبكاء في قيام الليل رحمه الله حتى أنك تكاد تقسم بالله أن الله لا يرد دعاء هذا الرجل ولا يخيّبه، نعم .. أولئك قومي .. فرسانٌ بالنهار رهبانٌ بالليل تراهم ركّعًا سجّدًا يبتغون فضلًا من الله ورضوانا وينصرون الله ورسوله، نحسبهم والله حسيبهم ولا نزكّي على الله أحدًا، وكان يكثر من صيام التطوع وفي الغالب أنه كان يصوم يومًا ويفطر يومًا ..