قبل أن يخرج لصلاة الظهر وشراء الشموع .. لبس البدلة"العسكرية"لأول مرة ولم تكن هناك معركة .. ولكن دقات قلبه أحست بأمر ما .. !
صلى الظهر، وسلم على رفاقه، ثم ذهب ليشتري الشموع، فتذكر أطفاله فاشترى لهم حلوى وأتى لهم بها .. كان يحب إدخال السرور على من حوله ..
أكل الأطفال الحلوى وفرحوا وكأنه يوم عيد .. كان ينظر إليهم برحمة وهم يأكلون ويضحكون فيراهم كأجمل لوحة فنان رسمها بريشة الفرح وحبّرها بمداد المحبة ..
اقترب وقت صلاة العصر .. فطلبت منه أمه أن يأتيها بعد الصلاة عند خالته ليأخذها؛ فودعها ومضى إلى المسجد حاملًا الشمعات بجيبه ..
كنتُ لحظتها في المسجد مع أطفال القرآن، ففجأة سقط"برميل"بجانبنا وتناثر علينا الزجاج من كل مكان .. وضعت يدي على قلبي خوفا على الصغار ..
ظننت الصغار سيفزعون، ولكني فوجئت بضحكاتهم المدوية! ثم أخذوا ينشدون: هذا برميل رقم"33"وما بتخوفنا يا بشار ..
طرق الباب"أبو النور"- أحد طلاب المعهد - فبشرني بأنه لم يصب أحد، فحمدت الله ثم حرضته على الرباط مع"حمزة"والرفاق .. فالجبهات فارغة وباكية ..
بعدما نطقت باسم حمزة طُرِق باب الغرفة بقوة مفزعة فدخل"أبو أديب"مفجوعًا ليقول: عظم الله أجركم في صديقنا حمزة، طارت شظية على قلبه من البرميل فاستشهد!
صُعِقت من الخبر!!
وظللت عدة مرات أكرر عليه الاسم لعله غيره، فلما تيقنت أنه هو صاحبي عقدت الصدمة لساني وأشحت بوجهي لئلا يروا دموعي ..
لم أشتفي من لقاء حمزة بعد .. بدأت معه الطريق وبنيتُ معه الآمال .. فلما تمكن من قلبي رحل خلسة، وطار إلى السماء بصمت؛ كما دخل قلبي بصمت!
يا الله .. بكيت على حمزة حتى تخضّب خدي من الدموع .. بكيت على القلب الطاهر كطهارة المزن، بكيت بُكاء الفرح لاصطفاء الله له ..
حمزة طارت رُوحه إلى"حواصل طير خضر"بإذن الله تسرح في الجنة .. بعيدًا عن الضجيج طار بصمت وهُدوء كما كان يحب الصمت ..
من الزاوية الأخرى؛ حمزة كان مجندلًا بدمائه بجانب والده .. نزف بصمت حتى سكنت روحه، ثعبت دماؤه الزكية فروّت الأرض المباركة؛ لتبسُق رياحين النصر!
صدق إحساس حمزة .. في الصباح تمنع من نساء الدنيا، ولعله في المساء أمهر نساء الجنة دمه القاني؛ فهو يعانق الحور العين بإذن الله .. يا رب نوله مناله ..